مشكاةُ الضياءِ الواحدِ في رحابِ أهلِ الكتابِ
23 مارس، 2026
أخبار العالم الإسلامى
بقلم : الكاتبةد. تاليا عراوي عضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية
وناشطة في مجال حقوق الإنسان
في مناخ عالمي باتت تحكمه ميكيافيلية صلبة تخّضع الحق لمنطق القوة وتخّتزل القيم في فاعلية البطش، لم يعد غريباً أن تتعرض الرموز الروحية الكبرى لعملية نزع قداسة متّعمدة تهدف لإحلال منطق القوّة العارية محل السموّ الأخّلاقي.
لقد انزلق السجال المعاصر إلى هاوية العدمية الأخلاقية حين تجرأ خطاب سياسي فج على محاكمة مقام النبي عيسى عليه السلام بمنطق القوة المادية المحضة، مدَّعياً بوقاحة أن النبي عيسى عليه السلام لا يملك ميزة تفضله على جنكيز خان؛ ذلك القائد المغولي الذي ارتبط اسمه في الذاكرة الإنسانية بكونه الرمز الأعتى للبطش وسفك الدماء وإبادة الحضارات تحت وطأة القوة الغاشمة. إن هذا الطرح يرى عبثاً أن الإنسان لا يتمايز عن الطغاة إلا بمقدار ما يفتقر إليه من وسيلة، فلو امتلك النبي عيسى عليه السلام القدرة والسلطة، لكان الفتك هو خياره الحتمي؛ وهي ضلالة تروج بأن الشر والتمثيل بكرامة الإنسان هما المنتصران دوماً، طالما امتلك المرء من القسوة ما يكفي لفرض غلبته.
وبينما ينبثق هذا الخطاب السِّياسِّي من رؤيةٍ مشوهةٍ ومختلّةٍ لجوهر مقام السِّيد المسيح )عليه السلام( وسلطانه الرُّوحي، مُحاولاً قسْره على قوالب مادِّيةٍ بحْتةٍ تفتقر لأدنى معايير السُّمو، نجد في المقابل موجةً من التَّضليل البصري اجتاحت منصات التَّواصل الاجتماعي )أو ربَّما يجدر بنا قول منصات الانكماش الاجتماعي (حيث تنَّاسلت صورٌ ورسومٌ تكرِّس ثنائيةً وهميةً مشحونةً بالدلالات الزائفة. ففي مقابلةٍ بصريةٍ متَّعمِّدةٍ، يُعرض سيُّدنا عيسى عليه السَّلام في هالةٍ من الوداعة المطلقة وهو يشرِّع ذراعيه بالمحَبَّة للآخرين، بينما يُصوَّر نبي الإسلام حاملاً لسيفه في وجه الآخر.
إن هذا الاختزال البصري ليس إلَّا وجهاً آخر لفتنةٍ فكريةٍ تسعى لتمزيق الأواصر الرُّوحية عبر صناعة صراعٍ لا يمت بصلةٍ للحقيقة؛ فالتاريخ يشهد والقرآن ينطق بأنَّ سيُّدنا محمد ﷺ لم يكن رجل حربٍ بل كان رسول سلامٍ بامتياز، استحقَّ وصف الخالق له في محكم تنزيله” :وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107). فهذه الرحمة لم تكن مقصورةً على فئةٍ دون غيرها، بل كانت مظلَّةً إلهيةً شملت البشرية جمعاء، متجاهلاً هذا الخطاب قوله تعالى في إقرار وحدة الرِّسَالَةِ: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) “البقرة: 136 . (ويكتمل هذا التَّأصيل الإيماني في خواتيم سورة البقرة، وتحديداً في قوله تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” (البقرة: 285). فهذه الآية العظيمة، التي ذكر الرَّسول ﷺ أنَّ منْ قرأها مع ما يليها في ليلةٍ كفتاه، تتَّضمن شهادة المؤمنين بالإيمان بجميع الرُّسل والكتب دون تفرقة؛ فهي تجمع الأنبياء جميعاً في مشْكاةٍ واحدةٍ، وتحمي قلب المؤمن من كل شرٍّ وفتنةٍ، لتبقى حجَّةً بالغةً على أنَّ جوهر الدِّين هو التَّسليم لرسالة الله الواحدة، بعيداً عن صراعات النَّماذج المادِّية الضَّيِّقة التي تحاول النيل من قداسة الرسل أو المفاضلة بينهم بمنطق البطش والقوة.
هذه السرديات المرئية تطمس عمداً الحقيقة التأسيسية والبنيوية التي أولاها الإسلام للمسيحية لأكثر من أربعة عشر قرناً. فمنذ البدايات الأولى، وقبل بدء الوحي، كان الرهبان المسيحيون هم أول من استبصروا علامات النبوة في محمد ﷺ؛ فها هو الراهب بحيرا الذي رأى في ملامح النبي وسحابة تظله ما بشرت به الكتب السابقة، محذراً من تربص الأعداء به لعلمه بعظم الشأن الذي ينتظره. وحين نزل الوحي لأول مرة، كان ورقة بن نوفل الذي استقى علمه من الإنجيل وكان على دين المسيح، هو الملاذ الفكري الذي بدد حيرة النبي ﷺ، مؤكداً للسيدة خديجة وله أن ما نزل عليه هو الناموس (الوحي) الذي نزل على موسى وعيسى، معلناً إيمانه بالرسالة في مهدها.
لقد استمر هذا الخيط من المودة في فجر الدعوة؛ حيث كان الملاذ الأول للمسلمين المضطهدين هو النجاشي، ملك الحبشة المسيحي الذي وصفه النبي محمد ﷺ بأنه “ملك لا يُظلم عنده أحد”. وهناك، أمام بلاط العدالة المسيحية، تلا جعفر بن أبي طالب آيات من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى بلل لحيته وقال كلمته الخالدة” : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ” لقد كان هذا اللقاء هو التجسيد الأول لوحدة الجذع التوحيدي، حيث وجد الإسلام في كنف المسيحية أمانه الأول، ووجد المسيحي العادل في الوحي القرآني تصديقاً لما بين يديه.
فالقرآن الكريم يكرم النبي عيسى عليه السلام بوصفه وجيهاً في الدنيا والآخرة ومقرباً من الله: “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مريمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (آل عمران: 45). كما يثني القرآن على النصارى بصفاء قلوبهم ومودتهم: “وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ” (المائدة: 82). وحظيت السيدة مريم عليها السلام بتكريم فائق، حيث اصطفاها الله وطهرها بنصٍّ يتلى آناء الليل وأطراف النهار: “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ” (آل عمران: 42). ولم يقف التكريم عند حدود الذكر، بل خصّها القرآن الكريم بسورة كاملة تحمل اسمها (سورة مريم)، خُلدت فيها قصة طهرها ومعجزة ميلاد النبي عيسى عليه السلام.
ولم يكن هذا التوقير مجرد نصوص نظريّة، بل تجسد في مواقف نبوية وعمريّة أرست دعائم التعايش الإنساني في أبهى صوره؛ فنبي الإسلام ﷺ هو من استقبل وفد مسيحيي نجران في رحاب مسجده بالمدينة المنورة، وحين حانت صلاتهم، أذن لهم بإقامتها داخل المسجد النبوي، مؤصلاً بذلك لمبدأ الحماية لا الإقصاء.
ومع مرور الأيام، تجسد هذا المنهج بوضوح استثنائي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)؛ فحين دخل القدس فاتحاً، لم يدخلها بمنطق الغلبة العسكرية بل بمنطق الأمان الروحي، في لحظة تاريخية مفصلية شهدت تسليماً سلمياً لمفاتيح المدينة. وقد تجلت ذروة هذا الرقي الأخلاقي حين كان الخليفة يتفقد معالم كنيسة القيامة بدعوة من البطريرك “صفرونيوس”، وعندما حان وقت الصلاة، عرض عليه البطريرك بكياسة أن يصلي مكانه داخل الكنيسة، إلا أن عمر )ببعد نظره وحكمته السياسية والشرعية( اعتذر بلطف وخرج ليصلي منفرداً على مقربة منها. لم يكن هذا الموقف مجرد لفتة عابرة، بل كان تمهيداً لإرساء “العهدة العمرية”؛ تلك الوثيقة التي أمنت المسيحيين على أرواحهم وكنائسهم وشعائرهم، لتتحول من مجرد نص قانوني إلى دستور تاريخي للتعايش الديني، يحمي قداسة المكان ويصون كرامة الإنسان.
لم يكن امتناع عمر نابعاً من تحرّج ديني، بل كان التزاماً أخلاقياً استباقياً بحماية الكنيسة وهويتها؛ فقد قال للبطريرك قولته التي حفظها التاريخ: لو صليتُ داخل الكنيسة لاتخذها المسلمون من بعدي مصلّى، وَلَجَاؤُوا من بعدي يقولون: هنا صلّى عمر، فربما غلبوكم عليها.
لقد خشي الفاروق أن تتحول صلاته كقائد للمسلمين إلى ذريعة سيادية للأجيال القادمة لتحويل هذا الصرح المسيحي العظيم إلى مسجد، فأراد بصنيعه هذا أن يمنح الكنيسة حصانة أبدية وعهداً لا يُنقض، مؤكداً أن العبادة الإسلامية لا تقوم على مصادرة مقدسات الآخرين، بل على حراستها .وبخطوته تلك، لم يحمِ عمر جدران الكنيسة فحسب، بل حمى نسيج المجتمع المقدسي، مانحاً إياها “العهدة العمرية” التي أصبحت دستوراً للتعايش، وضمانة لحرية المعتقد وصون دور العبادة، ليبقى هذا المسار شاهداً حياً على أن القوة في المنظور الإسلامي لم تكن يوماً أداة للبطش، بل كانت سياجاً يحمي قداسة الإنسان ومقدساته.
وإلى يمنة هذا، في قلب القدس، وتحديداً عند عتبة كنيسة القيامة، يتجلى مشهدٌ فريدٌ من نوعه يختزل قروناً من العيش المشترك والاتزان الروحي؛ حيث تضطلع عائلتان مسلمتان (آل جودة وآل نسيبة) بمهمة تاريخية مقدسة تتلخص في حراسة مفتاح الكنيسة وفتح أبوابها وإغلاقها يومياً. يعود هذا التقليد العريق إلى القرن السابع الميلادي، حيث استقر العرف على أن يكون المسلمون هم الطرف المحايد الذي يحفظ التوازن بين الطوائف المسيحية الثلاث (الروم الأرثوذكس، والكاثوليك، والأرمن) التي تتشارك الكنيسة، ضماناً لعدم استئثار أي طرف بملكية هذا الصرح العظيم. ولا تقتصر هذه المهمة على الجانب الإجرائي، بل هي أمانة وراثية تُسلم من الآباء إلى الأبناء، وتتوج في أسبوع الآلام بطقوسٍ دقيقة تعكس احتراماً متبادلاً عميقاً؛ لتظل هذه المفاتيح في أيدٍ مسلمة ليس كرمزٍ للسيطرة، بل كضمانة لاستمرار الوضع الراهن وحمايةً لهذا الإرث الإنساني المشترك من أي نزاع، مؤكدةً أن السلام في القدس يُبنى بجهود الجميع.
أما اليوم، وفي خضم الفواجع المحيطة بنا، نشهد واقعاً استعمارياً قسرياً يضرب هذا التوازن الروحي في مقتبل عهده؛ فللمرة الأولى وبقرارٍ تعسفيٍّ من ذوي السلطة، يوصَد المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين في شهر رمضان وأيام العيد، كما تُغلق كنيسة القيامة في وجه المؤمنين المحتفلين بسبت النور وعيد الفصح. إن هذا التغييب الممنهج لصوت الأذان وقرع الأجراس معاً ليس نتاج صراعٍ داخلي، بل هو فعلُ استلابٍ يمارسه المستعمر ضدَّ قدسية المكان وهويته الجامعة، في محاولةٍ لتمزيق ذلك الاتزان الروحي الذي صانته الأجيال، واغتيال الروح الواحدة التي لطالما احتضنت جميع الأنبياء ورسالاتهم في هذه الأرض المقدسة.
إن هذا الميراث الممتد من بكاء النجاشي إلى مفاتيح القدس، ومن حكمة عمر بن الخطاب إلى تلك اللحظات الاستثنائية من النبل التي شهدتها سوريا في غمار الحرب؛ حين غاب التيار الكهربائي وصمتت المآذن قسراً، فارتفعت أجراس الكنائس لتصدح بالنداء مُعلنةً وقت الإفطار وصلاة المغرب، في تلاحمٍ روحيٍّ يختصر جوهر الإيمان، ليس مجرد حكايات من الماضي تروى، بل هو جوهر العقيدة ودستور الروح الذي يقف شامخاً في وجه الميكيافيلية المعاصرة. فبينما يحاول منطق القوة العارية اليوم اختزال مقام الأنبياء العظيم في موازين البطش والغلبة المادية، يثبت لنا التاريخ )وتؤكد لنا نصوص الوحي( أن عظمة عيسى ومحمد، عليهما السلام، لم تكن يوماً في قدرة الفتك التي توهمها الواهمون، بل في سلطان الرحمة وسمو الأخلاق التي أحيت القلوب وغيرت وجه التاريخ الإنساني.
وفي غمرةِ هذا الاحتفاءِ بالقيمِ الكبرى، لا يسعني إلا أن أتوجه بفيضٍ من الحب والشكر لـ “ماما” حبيبة قلبي وروحي رحمها الله وأسعدها بلقائه، مدرستي الأولى وملهمتي التي علمتني بصدقِ فعلها وفطرتها أنَّ جوهر التدين هو المحبة والرحمة والأخلاق. فبالأمسِ كان عيد الأم، واليوم أحيا على فيضِ ما غرستهُ في وجداني؛ هي التي كانت تأخذنا بكل احترامٍ ووقارٍ لنضيء الشموع في رحاب الكنائس، تعبيراً عن المودة والتقدير، تماماً كما كانت تأخذنا إلى المساجد لنعرف حقيقة الدين وأركانه. لقد زرعت فينا أنَّ الأديان في منبتها التوحيدي ما جاءت إلا لتؤلف القلوب وتصون كرامة الإنسان، وأنَّ المسلم الحق هو الذي يحمل في قلبه إرث الأنبياء جميعاً. شكراً لكِ يا أمي، فبصيرتكِ كانت وما زالت هي النور الذي أهتدي به.
ختاماً، سيبقى صوت الجرس الذي ارتفع في ليل سوريا المظلم ليحل محل الأذان الصامت ويعلن إفطار الصائمين، وستبقى المآذن التي تعانق الكنائس في لبنان ومصر وسوريا، هي الجواب الأبلغ والأقوى على كل خطاب فج يحاول تمزيق أواصرنا. إن الحق في منطقنا لا يحتاج إلى مخالب ليبقى، بل يحتاج إلى المشكاة الواحدة التي تنير دروب السائرين إلى الله.
فليتعلم العالم من شرقنا أن القوة الحقيقية ليست في مَن يملك المفتاح ليُغلق، بل في مَن يحمله أمانةً ليصون ويحمي، وأن القداسة الحقيقية ليست في الحجر وحده، بل في ذلك القلب الذي يرى في أخيه الإنسان، مهما اختلف معتقده، مرآةً لجمال الخالق وحرمةً لا تُمس، مصداقاً لقوله تعالى في ميزان التفاضل الإلهي القائم على التقوى لا على البطش:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.”