الجمع بين قضاء رمضان وستٍّ من شوال «تداخل النيات في الصيام»
21 مارس، 2026
قضايا وأحكام

بقلم د. ميرنا يونس
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد ﷺ .. وبعد؛
فإن من نعم الله على عباده أن جعل بعد شهر رمضان مواسمَ تُستدرك بها الفضائل، وتُستكمَل بها الطاعات، ومن ذلك صيام ستٍّ من شوال، التي ورد في فضلها ما يبعث الهمم ويُحيي العزائم، غير أن مسألة الجمع بين نية القضاء ونية صيام هذه الستّ قد شغلت أذهان كثير من الصائمين، وتنازع فيها النظر الفقهي بين المنع والجواز، تبعًا لأصلٍ أصوليٍّ دقيق، وهو: هل تتداخل العبادات إذا اجتمعت مقاصدها، أم لكل عبادةٍ استقلالها ونيتها الخاصة؟
وقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك على قولين:
الأول : منع هذه الصورة على اعتبار أن كلاً من القضاء وصيام ست من شوال عبادة مقصودة بذاتها، فلا يجوز التداخل بينهما في النية…
و الثاني : جواز الجمع بين نية القضاء وصيام الست من شوال؛ لأن المقصود هو إشغال هذه الأيام بالصيام، وذلك قياساً على حصول تحية المسجد بأي صلاة عند الدخول إلى المسجد، وقياساً كذلك على إجزاء الغسل الواجب عن غسل الجمعة، ولكن لا يحصل للصائم في هذه الحالة الثواب الكامل.
وقد ذهب كثير من أهل العلم وكذلك مجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء المصرية إلى جواز جمع صيام شوال بنية القضاء، وإن كان الأحوط فصل كل صيام على حدة؛ لما فيه من الزيادة في الأجر، وخروجاً من خلاف من منع ذلك…
ولأن الفصل والتفريق بين النيتين وإفراد صيام الست من شوال أفضل لمن يرجو الثواب الكامل كما جاء حاشية الشرقاوي على التحرير للشيخ زكريا الأنصاري:
” ……. لكن لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، ولاسيما من فاته رمضان لأنه لم يصدق أنه صام رمضان وأتبعه ستا من شوال”
كما أن صيام شَهر رمضان وقضاؤه مقصود لذاته، وصيام ست من شوال مقصود لذاته؛ لأنهما معا كصيام الدهر؛ كما صح في الحديث، فلا يصح التداخل والتشريك بينهم عند كثير من الفقهاء . (وهو ما يميل إليه القلب ويطمئن)
ولأن صيام الست من شوال هو كالسنة البعدية لرمضان، ومن ثم احتاج إلى نية خاصة ولم يندرج في صوم القضاء.
أما لمن يجد تعبًا في قضاء ما فاته من رمضان وحرص على جعل هذا القضاء في شوال، ويريد أن يحصل على ثواب الأيام الستة أيضًا، أن ينوي القضاء وصيام الستة، أو ينوى القضاء فقط دون نية الستة، وهنا تندرج السنة مع الفرض…
وعليه؛ فهذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي وسع فيها الخلاف، فلا إنكار في المختلف فيه، وإنما يُرشد فيها إلى الأكمل والأفضل، فمن رام بلوغ الغاية في الأجر؛ فليفصل بين الفرض والنفل، وليجعل لكل عبادةٍ قصدها، ومن أخذ بالرخصة وجمع بين النيتين، فلا حرج عليه، والله واسع الفضل، كريم العطاء.
فأسأل الله أن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الفقه في دينه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.