الأزهر الشريف: منارةُ الوسطيةِ وقِبلةُ الأرواح


بقلم: سيد الرشيدي (روائي ومؤرخ)

حين وطئت قدماي أرض القاهرة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تكن مجرد رحلة جغرافية، بل كانت “هجرةً نحو التاريخ”. بهرتني القاهرة؛ تلك الحاضنةُ التي انصهرت في أزقتها حضارات القرون، وصاغت من تعدد ثقافاتها هويةً عصيةً على النسيان. لكنَّ لؤلؤة هذا التاج، وشمس هذا المدار، كانت وما تزال: الأزهر الشريف.

-الأزهر.. أمانُ العالم وسطوةُ الوسطية

لقد علمتني الأيام، ومن خلال عملي في رحاب هذا الحصن المنيع، أنَّ الأزهر ليس مجرد مؤسسة، بل هو “نبضُ الإسلام الوسطي” الذي سرى في شرايين العالم. تعاملتُ مع جالياتٍ من شتى بقاع الأرض، فرأيتُ في عيونهم بريقاً لا يخطئه الرصد؛ إنه الشوقُ لنهل العلم من منبعه الصافي. رأيتُ كيف يقطعُ الطالبُ الفيافي والبحار، وتكون أسمى أمانيه أن يُقال عنه: “خريجُ الأزهر”.
ورغم محاولات التيارات العاصفة الحدَّ من دوره، أو النيل من هيبته، إلا أنَّ الأزهر ظلَّ كالجبل الأشم؛ فكلما زادت الريحُ عتياً، زاد هو ثباتاً ونوراً. إنه النور الذي لا ينطفئ بقرار، بل يزداد توهجاً بالإخلاص.

-هيبةُ “العِمامة” في بلادِ الغُربة

لقد طفتُ في بعض رحلاتي دولاً غير عربية، وشهدتُ عياناً بياناً ما لم تره العينُ في الداخل. رأيتُ كيف ينظرُ علماءُ الدين والمثقفون في تلك البلاد إلى “الأزهري”؛ نظرةَ تبجيلٍ وإكبارٍ لا تُمنح لغيره. إنَّ “العِمامة الأزهرية” هناك ليست زياً، بل هي “وثيقةُ ثقة” ورمزٌ للعلم الرصين والأدب الرفيع. إنَّ احترام العالم للأزهر هو اعترافٌ بفضله في حفظ ميزان الاعتدال وصدَّ تيارات الغلو.

-حواري القاهرة.. حيثُ يذوبُ الجوعُ في الجمال

لي في أزقة القاهرة الفاطمية والمملوكية ذكرياتٌ هي أغلى ما أملك. كم عشقتُ التنقيب في حواري “الحسين” و”الجمالية”، والتسكع في “خان الخليلي” و”الغورية” و”الدرب الأحمر”.

هناك، بين جدران “منزل زينب خاتون” ومآذن الغوري، كنتُ أنسى الأكل والشرب؛ فجمالُ العمارة يُشبع الروح، وعبقُ التاريخ يملأ الحواس. إنَّ المرور بهذه الأماكن ليس نزهة، بل هو استنطاقٌ للحجر الذي يتكلم بلسان العصور.
-شوقُ المحب.. وعاصفةُ العيد

في هذا العيد، حالت العواصف الترابية وتقلبات الجو بيني وبين معشوقي الأزهر، وحبستني الجدرانُ عن حواري الحسين والدرب الأحمر. وكم هو قاسٍ هذا “الحنين” حين تشتاق الروح لمكانٍ هو سكنُها، وتمنعها تقلباتُ الطبيعة. لكنني، وأنا في مكاني، أغمضُ عينيَّ فأشمُّ رائحة “البخور” في الأزهر، وأسمعُ لغط المصلين، وأبصرُ مآذن “الغورية” تناطح السحاب.

حفظ الله الأزهر الشريف، وجعله منارةً للعلماء، وحصناً للدين، وقبلةً لكل باحثٍ عن الحقيقة والجمال. سيظل الأزهر هو “بوصلة الأمة”، وسأظل أنا ذلك “العاشق” الذي لا يرتوي من حياض تاريخه المجيد.