الاستقامة على الطاعة الجزء الأول
20 مارس، 2026
منبر الدعاة

بقلم / أ.د السيد احمد احمد سحلول
استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الازهر الشريف
على المسلم الإبقاء على عهد الطاعة لخالقه لا ينقضه ، ويجعل السنة كلها رمضان ما بين صيام وقيام وصلاة وتطوعات وصدقات وغير ذلك من أعمال البر فعليه أن يكون عبدًا ربانيًا سائر الدهر ، ولا يكون رمضانيًا في شهر دون سائر الشهور .
فلا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا ، قال تعالى : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) النحل :92.
فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكماَ ثم تحله.
ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى رَيْطَة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة كانت تفعل ذلك، فبها وقع التشبيه.
وعلى العبد أن يستقيم على طاعة مولاه كما أمره.
فعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِىِّ رضى الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِى في الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ – وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ : غَيْرَكَ – قَالَ: « قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ ».
قال القاضي عياض: هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم ، وهو مطابق لقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) فصلت: 30 ، الأحقاف:13 . أي وحدوا الله وآمنوا به ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد والتزموا طاعته سبحانه وتعالى إلى أن توفوا على ذلك.
والمراد الاستقامة على التوحيد الكامل واتباع الكتاب والسنة.
والله عز وجل قال للمعصوم صلى الله عليه وسلم : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) هود:112.
قال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ في قول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) هود:112 : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية.
ولذلك لما قال له أبو بكر رضى الله عنه : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قَالَ : ” شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ ، وَ( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ) ، و(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ )”.
فالخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم ، يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك
والأمر فيه للتأكيد؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان على الاستقامة لم يزل عنها.
والذي شيبه صلى الله عليه وسلم من سورة هود قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
قال أبو علي الشنوي: رأيت النبي في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت «شيبتني هود، فقال: نعم، فقلت له: ما الذي شيبك منها: قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، ولكن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
قال ابن كثير : يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء.
فإذا كان صوم الفريضة قد انتهى بانتهاء رمضان فهناك صوم التطوع طوال العام كصيام ست من شوال.
فمن أتم الله عليه النعمة بصوم رمضان ثم صام ست من شوال كان له ثواب من صام العام كله.
فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ “.
قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر ؛لأن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة أشهر ، والستة بشهرين.
وصوم التسع الأولى من ذي الحجة :
قال العلماء : حديث عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاـ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَط. يوهم كراهة صوم عشر ذي الحجة. وهي الأيام التسعة من أول ذي الحجة .
قالوا : وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة ، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما التاسع منها ، وهو يوم عرفة ، وقد صحت الأحاديث في فضله. وهو حديث ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ
فيتأول قولها ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ : “لم يصم العشر”.
1ـ أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما.
2ـ أو أنها لم تره صائماَ فيه ، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر .
ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ : “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِى الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ”.
3ـ أنه صلى الله عليه وسلم لم يصم لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته.
وصيام يوم في سبيل الله يباعد الله وجه من صام عن النار سبعين سنة.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضى الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : “مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا”.
وصوم يوم عرفة لغير الحاج:
فصيام ذلك اليوم يكفر ذنوب سَنة ماضية ، وسنة قادمة.
فعَنْ أَبِى قَتَادَةَ رضى الله عنه قال : رَجُلٌ أَتَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ :كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ. فَجَعَلَ عُمَرُ رضى الله عنه يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلاَمَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ : « لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ – أَوْ قَالَ – لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ ». قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: « وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ ». قَالَ : كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: « ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ».
قَالَ : كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ : « وَدِدْتُ أَنِّى طُوِّقْتُ ذَلِكَ ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« ثَلاَثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ».