سنن العيدين ..جمال الشريعة وروح الطاعة


بقلم الشيخ : وليد عطية حامد

واعظ عام، وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف

سنن العيدين :

العيدان : تثنيةُ عيدٍ ، وهما : عيد الفطر وعيد الأضحى ، ويُستعمل العيد في كلِّ يومِ مسرَّةٍ ، ولذا قيل :

‏ عِيدٌ وَعِيدٌ وَعِيدٌ صِرْنَ مُجْتَمِعَهْ … وَجْهُ الْحَبِيبِ وَيَوْمُ الْعِيدِ وَالْجُمُعَهْ

‏وسمي العيد عيدًا ؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته ، وقيل : لأنه يعود بالفرح والسرور ، وقيل : تفاؤلًا بعوده على من أدركه كما سميت القافلة قافلة ؛ تفاؤلًا بقفولها ، أي : برجوعها ، وقيل : لأن لله – تعالى – فيه عوائدَ الإحسان ، أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام ، فمنها : الفطر بعد المنع عن الطعام ، ومنها : صدقة الفطر ، ومنها : إتمام الحج بطواف الزيارة ، ومنها : لحوم الأضاحي.

وللعيدين سنن كثيرة ، يُندب للمسلم أن يتحلَّى بها فيهما ؛ تحصيلًا للثَّواب ، وتأسيًا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

فمن سنن العيدين :

إحياءُ ليلتي العيد بالصلاة ، وغيرها من العبادات ؛ فقد نصَّ الأئمة على استحباب إحياء ليلتي العيد بالعبادة ، قال الإمام النووي – رضي اللَّه عنه – : “ويستحب استحبابًا متأكدًا ، إحياء ليلتي العيد بالعبادة”.

ويحصل الإحياء بمعظم الليل ؛ كالمبيت بمنى ، وقيل : بساعة منه ، وعن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – بصلاة العشاء جماعة والعزم على صلاة الصبح جماعة.

ومن سنن العيدين :

الغسلُ لهما ؛ فقد روي عن سيدنا علي ، وسيدنا عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – : «أنهما كانا يغتسلان في يوم الفطر والأضحى» ، ولأنه يوم يجتمع فيه الكافَّة للصلاة ، فسن فيه الغسل ؛ كيوم الجمعة.

ويطلب غسل العيدين من كل مميِّزٍ وإن لم يكن مكلفًا ولا مريدًا للصلاة ، وصفة غسل العيد كصفة غسل الجنابة ، ويدخل وقته بأول السدس الأخير من الليل ، ولكن الأفضل فعله بعد صلاة الصبح.

ومن سنن العيدين :

التطيب ، والتسوُّك ، والتنظف بحلق الشعر ، وقلم الظفر ، وقطع الرائحة الكريهة ؛ فعند الطبراني في المعجم الكبير عن الحسن بن علي ، قال : «أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن نلبس أجود ما نجد ، وأن نتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحي بأسمن ما نجد. البقرة عن سبعة ، والجزور عن عشرة ، وأن نظهر وعلينا السكينة والوقار».

والتنظف بحلق الشعر ، وقلم الظفر لغير مريد الأضحية ، وأما مريد الأضحية فلا يزيل شعره ولا ظفره حتى يضحي ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلم : «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ».

ومن سنن العيدين :

لُبسُ أحسن الثياب ولو كانت غير بيضاء ؛ لحديث سيدنا الحسن بن علي المارِّ ، ولما رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ، قال : «كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يلبس يوم العيد بردة حمراء».

ولُبسُ الأبيض من الثياب أفضل ؛ فقد أخرج الترمذي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم».

وما ذكر من التطيب ، ولبس أجود الثياب خاصٌّ بالرجال ، وأما النساء فلا يتطيبن ، ولا يلبسن ما يشهرهن من الثياب خارج البيت ؛ لنهيهن عن ذلك.

ومن سنن العيدين :

الأكل في عيد الفطر قبل الخروج إلي الصلاة ؛ اقتداءً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ويُستحبُّ أن يكون المأكول تمرًا وترًا ؛ ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ، قال : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» ، فإن لم يجد تمرًا فيندب له أن يأكل شيئًا حلوًا.

والحكمة من الأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر : المبادرة إلى قبول ضيافة الحق سبحانه ، وإلى امتثال أمره بالإفطار بعد امتثال أمره بالصيام.

وأمَّا في عيد الأضحى فيستحبُّ للمسلم تأخير الأكل حتى يرجع من الصلاة فيأكل من أضحيته إن كان مضحيًا ؛ ففي سنن الترمذي عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ ، عن أبيه قال : «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» ،فإن لم تكن له أضحية خُيِّرَ بين الأكل قبل خروجه وتركه ؛ فقد نصَّ على ذلك الإمام أحمد.

ومن سنن العيدين :

الذهاب إلى مصلى العيد من طريق والرجوع من طريق آخر ؛ ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» ، أي : رجع في غير طريق الخروج.

وقد كان صلى الله عليه وسلَّم يخالف الطريق يوم العيد ليشهد له الطريقان ، وقيل : ليشهد له سُكَّانُهُمَا من الجن والإنس ، وقيل : لِيُسَوَّى بينهما في مَزِيَّةِ الفضل بمروره أو في التبرك به ، وقيل : لإظهار شعار الإسلام فيهما ، وقيل لإظهار ذكر الله…

والسنة لقاصد العيد المشي ، فإن ضعف لكبر ، أو مرض ، فله الركوب ، وللقادر الركوب في الرجوع.

ومن سنن العيدين :

تهنئة المسلم أخاه بالعيد ؛ فقد قال ابن حجر رضي الله عنه : “وروينا في الْمَحَامِلِيَّاتِ بإسنادٍ حسنٍ عن جُبَيْرِ بن نُفَيْرٍ ، قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا الْتَقَوْا يوم العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك”.

والأمر في التهنئة واسع ، فلو قال المسلم لأخيه : تقبل الله منا ومنكم ، أو عيد مبارك ، أو أحياكم الله لأمثاله ، أو غير ذلك من عبارات التهنئة فهو حسن.

قال النفراوي المالكي : “ولا شك في جواز كل ذلك ، بل ولو قيل بوجوبه لما بُعُدَ ؛ لأن الناس مأمورون بإظهار المودة والمحبة لبعضهم”.

ويُستحبٌّ للمسلم إظهار البشاشة ، والإكثار من الصدقة حسب الطاقة.