خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ الْقَادِمَةِ: (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ: زِينَةُ الْأَعْيَادِ وَمِفْتَاحُ الْقَبُولِ ) للشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ


بِرُّ الْوَالِدَيْنِ: زِينَةُ الْأَعْيَادِ وَمِفْتَاحُ الْقَبُولِ
لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ الْقَادِمَةِ: ١ شَوَّال ١٤٤٧ هـ – ٢٠ مَارِس ٢٠٢٦ م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
ber alwalden zena

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

  • ​بِرُّ الْوَالِدَيْنِ: الْوَصِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْخَالِدَةُ وَالْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ (الرَّبْطُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِحْسَانِ).

  • ​الْبِرُّ فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ: سَيِّدُ الْبَشَرِ ﷺ وَالْوَفَاءُ لِلْأُمُومَةِ (قِصَّةُ سَيِّدَتِنَا حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ).

  • ​زِينَةُ الْعِيدِ فِي طَاعَةِ الْكِبَارِ: قِصَصُ السَّابِقِينَ (سَيِّدُنَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَسَيِّدُنَا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا).

  • ​الْبِرُّ بَعْدَ الرَّحِيلِ: وَفَاءُ الْأَصْفِيَاءِ وَصِلَةُ أَهْلِ الْوُدِّ (هَدْيُ سَيِّدِنَا ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا).

  • ​سَلَامَةُ الْبَيْتِ مِنَ الدَّاخِلِ: صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ (الْبِرُّ صِمَامُ أَمَانِ الْمُجْتَمَعِ وَرَكِيزَةُ بِنَاءِ الْوَطَنِ).

الْخُطْبَةُ الْأُولَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمِدَ نَفْسَهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي كِتَابِهِ، وَأَمَرَنَا بِحَمْدِهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْخَلْقِ (عَزَّ وَجَلَّ)، جَعَلَ الْإِحْسَانَ إِلَى الْوَالِدَيْنِ مِيثَاقاً غَلِيظاً، وَقَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: ١٤]. وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَمُعَلِّمُ الْبِرِّ، الَّذِي كَانَ يَقُومُ إِجْلَالاً لِمَنْ أَرْضَعَتْهُ، وَيَبْكِي شَوْقاً لِمَنْ وَلَدَتْهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَصْحَابِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ) أَهْلِ الْوَفَاءِ وَالْبِرِّ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، يَا أُمَّةَ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ ﷺ..

إِنَّ شَمْسَ هَذَا الْيَوْمِ لَيْسَتْ كَأَيِّ شَمْسٍ، إِنَّهَا شَمْسُ الْفِطْرِ الَّتِي تُشْرِقُ عَلَى الْقُلُوبِ الَّتِي طَهُرَتْ فِي رَمَضَانَ. وَإِنَّ الْأَعْيَادَ فِي إِسْلَامِنَا لَيْسَتْ مَحَطَّاتٍ لِلْمَظَاهِرِ الْجَوْفَاءِ، بَلْ هِيَ تَتْوِيجٌ لِلْمَعَانِي الرَّوْحِيَّةِ. وَأَيُّ مَعْنًى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي يَوْمِ جَائِزَتِكَ وَأَنْتَ تَحْنُو عَلَى مَنْ كَانَا سَبَبَ وُجُودِكَ؟ إِنَّنَا الْيَوْمَ نَقِفُ مَعَ “زِينَةِ الْعِيدِ” الْحَقِيقِيَّةِ، مَعَ الْبِرِّ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ.

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ.. الْوَصِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ وَالْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لِيَرْسُمَ لِلْبَشَرِيَّةِ أَعْظَمَ دُسْتُورٍ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ. تَأَمَّلُوا هَذَا الرَّبْطَ الْمُعْجِزَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: ٣٦]. إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) لَمْ يَجْعَلْ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ حَقّاً ثَانَوِيّاً، بَلْ جَعَلَهُ تَالِياً لِحَقِّهِ فِي التَّوْحِيدِ مُبَاشَرَةً. هَذَا التَّرْتِيبُ لَمْ يَأْتِ هَبَاءً، بَلْ لِيُعْلِمَنَا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ يَمُرُّ بِرِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكْتَمِلُ وَفِي الْقَلْبِ ذَرَّةٌ مِنْ جُحُودٍ لِأُمٍّ حَمَلَتْ أَوْ أَبٍ كَدَحَ.

إِنَّ كَلِمَةَ “إِحْسَانًا” تَتَجَاوَزُ مَعْنَى الْعَطَاءِ الْمَادِيِّ، فَالْإِحْسَانُ هُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ أَنْ تُعَامِلَهُمَا وَكَأَنَّ عَيْنَ اللَّهِ تَنْظُرُ إِلَيْكَ فِي كُلِّ نَفَسٍ. انْظُرُوا إِلَى قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ): {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: ٢٣]. سُبْحَانَ اللَّهِ! لَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) “التَّأَفُّفَ”، وَهُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ التَّضَجُّرِ لِسَانِيّاً، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنَ النَّهْرِ وَالصِّيَاحِ وَالْإِهْمَالِ هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ.

يَا سَادَةُ، إِنَّ كَلِمَةَ “عِنْدَكَ” فِي الْآيَةِ تُشِيرُ إِلَى الْإِيوَاءِ وَالنُّصْرَةِ، لَا إِلَى الْإِيدَاعِ فِي دُورِ الْمُسِنِّينَ أَوْ تَرْكِهِمَا لِلْوَحْدَةِ. الْبِرُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَالِدَانِ فِي قَلْبِ حَيَاتِكَ، لَا عَلَى هَامِشِهَا. هَذَا هُوَ الْمِيثَاقُ الَّذِي تَعَهَّدَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ؛ فَهَذَا سَيِّدُنَا يَحْيَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ اللَّهُ فِي حَقِّهِ: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا}، وَهَذَا سَيِّدُنَا عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ وَهُوَ فِي الْمَهْدِ: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}. لَقَدْ رَبَطَ الْقُرْآنُ بَيْنَ “الْجَبَرُوتِ” وَبَيْنَ “عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ”، فَالْعَاقُّ لَا يَكُونُ إِلَّا شَقِيّاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَهْمَا كَانَ مَالُهُ وَمَهْمَا بَلَغَ سُلْطَانُهُ.

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: الْبِرُّ فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ.. سَيِّدُ الْبَشَرِ ﷺ وَالْوَفَاءُ لِلْأُمُومَةِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: نَنْتَقِلُ إِلَى رِحَابِ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، لِنَرَى كَيْفَ طَبَّقَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَانِيَ الْبِرِّ. رَغْمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ يَتِيماً، إِلَّا أَنَّهُ عَلَّمَ الدُّنْيَا أَدَبَ الْوَفَاءِ لِلْمُرَبِّيَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ. تَأَمَّلُوا مَوْقِفَهُ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، حِينَمَا جَاءَتْهُ سَيِّدَتُنَا حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ (أُمُّهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ)، فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّبِيِّ الْقَائِدِ الَّذِي تَهَابُهُ الْمُلُوكُ إِلَّا أَنْ قَامَ فَرْحاً، وَنَزَعَ رِدَاءَهُ الشَّرِيفَ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهُ، وَبَسَطَهُ لَهَا فِي التُّرَابِ لِتَجْلِسَ عَلَيْهِ إِجْلَالاً لَهَا، وَظَلَّ يُحَادِثُهَا بِتَوَاضُعٍ وَرِقَّةٍ، وَيَقُولُ: “أُمِّي.. أُمِّي”.

اللَّهُ أَكْبَرُ! أَيُّ مَدْرَسَةٍ هَذِهِ؟ رِدَاءُ النُّبُوَّةِ يُبْسَطُ تَحْتَ أَقْدَامِ مَنْ أَرْضَعَتْهُ سَاعَاتٍ فِي الصِّغَرِ! وَنَحْنُ الْيَوْمَ، هَلْ نَبْسُطُ لِوَالِدِينَا قُلُوبَنَا قَبْلَ رِدَائِنَا؟ هَلْ نُشْعِرُهُمْ بِمَكَانَتِهِمْ عِنْدَمَا يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي مَجَالِسِنَا؟

وَلَا يَنْسَى التَّارِيخُ بَكَاءَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ قَبْرِ أُمِّهِ سَيِّدَتِنَا آمِنَةَ، حِينَمَا اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي زِيَارَةِ قَبْرِهَا، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: “زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ”. لَقَدْ ظَلَّ ﷺ بَارّاً بِهَا بِالذِّكْرَى وَالدَّمْعِ وَالْوَفَاءِ.

وَمِنْ عَظِيمِ قَوْلِهِ ﷺ مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، حِينَمَا جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ، فَقَالَ ﷺ: “أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ”. لَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ “خِدْمَةَ الْوَالِدَيْنِ” نَوْعاً مِنَ الْجِهَادِ، بَلْ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ فِي زَمَنِ النَّكَدِ وَالْعُقُوقِ. الْجِهَادُ أَنْ تَكُونَ بَارّاً بِهِمَا وَأَنْتَ فِي عِزِّ شَبَابِكَ وَقُوَّتِكَ، أَنْ تَتَحَمَّلَ صُعُوبَةَ مَرَضِهِمَا بِصَبْرٍ وَاحْتِسَابٍ. فَيَا مَنْ تَبْحَثُ عَنْ أَجْرِ الشَّهَادَةِ، هُوَ هُنَا عِنْدَ قَدَمِ أُمِّكَ، كَمَا قَالَ ﷺ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ: “الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ”.

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: زِينَةُ الْعِيدِ فِي طَاعَةِ الْكِبَارِ.. قِصَصُ السَّابِقِينَ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: كَيْفَ يَكُونُ الْعِيدُ زِينَةً؟ لَيْسَ بِالْعِطْرِ الْفَوَّاحِ فَحَسْبُ، بَلْ بِنَسِيمِ الرِّضَا الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنْ دُعَاءِ الْوَالِدَيْنِ. انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ الْبَارُّ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الْبِرِّ مَبْلَغاً عَظِيماً. يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ. فَقَالَ ﷺ: كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ”.

لَقَدْ كَانَ حَارِثَةُ يُطْعِمُ أُمَّهُ بِيَدِهِ، وَيُنَقِّي لَهَا الثِّيَابَ، وَلَا يَكُفُّ عَنْ خِدْمَتِهَا حَتَّى صَارَ صَوْتُهُ يُدَوِّي فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ مَا زَالَ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ! أَيُّ كَرَامَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ؟

وَتَأَمَّلُوا مَوْقِفَ سَيِّدِنَا سَيِّدِ التَّابِعِينَ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، ذَاكَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ ﷺ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): “إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ”. أَرَأَيْتُمْ يَا سَادَة؟ بِرُّ الْأُمِّ جَعَلَ مِنْ أُوَيْسٍ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، حَتَّى أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ “عُمَرَ الْفَارُوقَ” أَنْ يَطْلُبَ مِنَ أُوَيْسٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ!

هَذَا هُوَ سِرُّ “زِينَةِ الْعِيدِ”؛ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) يَوْمَ الْعِيدِ وَأَنْتَ “مُجَابُ الدَّعْوَةِ” بِبَرَكَةِ دُعَاءِ أُمِّكَ. الْعِيدُ يَا سَادَةُ هُوَ أَنْ تَمْسَحَ دَمْعَةَ الْحَاجَةِ عَنْ عَيْنِ أَبِيكَ، أَنْ تَبْتَسِمَ لَهُمَا بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنْهُمَا الزَّمَانُ مَا أَخَذَ. لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: “بِتُّ أُغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي (أُدَلِّكُهَا) وَبَاتَ أَخِي عُمَرُ يُصَلِّي اللَّيْلَ، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ”. لَقَدْ قَدَّمَ بِرَّ الْأُمِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ فَهِمَ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ وَرُوحَ الْإِسْلَامِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، صَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَنْوَرِ وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: الْبِرُّ بَعْدَ الرَّحِيلِ.. وَفَاءُ الْأَصْفِيَاءِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَا تَظُنُّوا أَنَّ الْبِرَّ يَنْتَهِي بِمَوْتِ الْوَالِدَيْنِ، بَلْ رُبَّمَا يَبْدَأُ الْبِرُّ الْحَقِيقِيُّ حِينَ يَفْتَقِدَانِكَ فِي الْقَبْرِ. سُئِلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟” فَقَالَ ﷺ بَلَاغَتَهُ الشَّامِلَةَ: “نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا”.

تَأَمَّلُوا سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)، حِينَمَا لَقِيَهُ أَعْرَابِيٌّ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَأَعْطَاهُ لِلرَّجُلِ، وَنَزَعَ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ وَأَعْطَاهَا لَهُ. فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنَّهُمْ أَعْرَابٌ وَيَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ! فَقَالَ: “إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا (صَدِيقاً) لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ”. هَذَا هُوَ “الْبِرُّ الرَّبَّانِيُّ”؛ أَنْ تَبْرِيَ مَنْ كَانَ أَبُوكَ يُحِبُّهُمْ، أَنْ تَبْرِيَ خَالَكَ وَخَالَتَكَ وَعَمَّكَ وَعَمَّتَكَ إِكْرَاماً لِذِكْرَى وَالِدَيْكَ.

فَمَنْ كَانَ يَتِيماً فِي هَذَا الْعِيدِ، فَلْيُبَرَّ أَبَوَيْهِ فِي قَبْرِهِمَا بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَفَاءِ لِأَصْدِقَائِهِمَا، فَهَذِهِ هِيَ الْهَدَايَا الَّتِي تَصِلُهُمْ فِي مَقَاعِدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.

الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: سَلَامَةُ الْبَيْتِ مِنَ الدَّاخِلِ.. صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: فِي مَبَادِرَةِ (صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ)، نَقُولُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ: إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ “تَفَضُّلاً” وَلَا “مِنَّةً”، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ مَالٍ تُلْقِي بِهِ لِأَبِيكَ وَأَنْتَ غَاضِبٌ. الْبِرُّ هُوَ “طِيبُ الْعِشْرَةِ”. الْبَعْضُ يَقْضِي عِيدَهُ ضَاحِكاً مَعَ أَصْحَابِهِ، بَيْنَمَا أُمُّهُ تَنْتَظِرُ مِنْهُ “جَلْسَةَ صَفَاءٍ” أَوْ “حَدِيثَاً رَقِيقاً”. صَحِّحُوا مَفَاهِيمَكُمْ؛ فَالْبِرُّ هُوَ صِمَامُ أَمَانِ الْمُجْتَمَعِ. إِذَا نَشَأَ الطِّفْلُ وَرَأَى أَبَاهُ يَبَرُّ جَدَّهُ، نَبَتَ فِي قَلْبِهِ الْوَفَاءُ لِوَطَنِهِ وَلِمُجْتَمَعِهِ.

إِنَّ سَلَامَةَ مِصْرَنَا الْغَالِيَةِ تَبْدَأُ مِنْ سَلَامَةِ بُيُوتِنَا. الرَّجُلُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ لِأَبَوَيْهِ، لَا خَيْرَ فِيهِ لِوَطَنِهِ. الْوَفَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ هُوَ الْوَفَاءُ لِلْجُذُورِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ لِبِنَاءِ جِيلٍ يَعْرِفُ قِيمَةَ الِانْتِمَاءِ. نَحْنُ الْيَوْمَ فِي مَسِيرَةِ بِنَاءٍ، وَأَوَّلُ لَبِنَةٍ فِي هَذَا الْبِنَاءِ هِيَ “الْأُسْرَةُ الْمُتَرَاحِمَةُ”. اِحْفَظُوا بِلَادَكُمْ بِبِرِّ أَهْلِيكُمْ، وَالْتَفُّوا حَوْلَ قِيَادَتِكُمْ بِرُوحِ الْوَفَاءِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ.

الدُّعَاءُ : يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا مَنْ أَمَرْتَنَا بِالْبِرِّ وَنَهَيْتَنَا عَنِ الْعُقُوقِ، اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَارْحَمْهُمْ كَمَا رَبَّوْنَا صِغَاراً. اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيّاً فَارْزُقْهُ الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ وَطُولَ الْعُمُرِ فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنَا قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُمْ. وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتاً، فَاللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى قَبْرِهِ الضِّيَاءَ وَالنُّورَ وَالْبَهْجَةَ وَالسُّرُورَ، وَاجْعَلْ عِيدَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَجْمَلَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَعْيَادِنَا، وَاجْعَلْ مِصْرَ كِنَانَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، أَمْناً وَأَمَاناً، سَخَاءً رَخَاءً.  اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَنَا وَشُرْطَتَنَا، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الْأَبْرَارَ الَّذِينَ ضَحَّوْا لِنَعِيشَ نَحْنُ فِي أَمَانٍ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَانْزَعِ الْغِلَّ مِنْ صُدُورِنَا، وَارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.

عِبَادَ اللَّهِ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

واللهُ تعالى أعلمُ، وباللهِ تعالى التوفيقُ والسَّدادُ – كتبه فضيلةُ الشيخِ أحمد إسماعيل الفشني.

القاهرة في ١٧ مارس ٢٠٢٦ م.