خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ زِينَةُ الأَعْيَادِ)) للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
18 مارس، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ زِينَةُ الأَعْيَادِ))
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
بِتَارِيخِ: غرة شَوَّال ١٤٤٧هـ – 20 مَارِس 2026م
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
beralwalden
الحَمْدُ للهِ الَّذِي شَهِدَتْ بِوُجُودِهِ آيَاتُهُ البَاهِرَةُ، وَدَلَّتْ عَلَى كَرَمِ جُودِهِ آيَاتُهُ الظَّاهِرَةُ وَالبَاطِنَةُ، وَسَبَّحَتْ بِحَمْدِهِ الأَفْلَاكُ الدَّائِرَةُ، وَالرِّيَاحُ السَّائِرَةُ، وَالسُّحُبُ المَاطِرَةُ، هُوَ الأَوَّلُ فَلَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ، وَالآخِرُ فَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ يَوْمَ الحَشْرِ، هُوَ الظَّاهِرُ فَلَهُ الحُكْمُ وَالقَهْرُ، هُوَ البَاطِنُ فَلَهُ السِّرُّ وَالجَهْرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌيَا رَبِّ:
رِضَاكَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا *** يَا مَالِكَ النَّفْسِ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا
فَنَظْرَةٌ مِنْكَ يَا سُؤْلِي وَيَا أَمَلِي *** خَيْرٌ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَمَامُ الأَتْقِيَاءِ، وَسَيِّدُ الأَصْفِيَاءِ، وَخَيْرُ مَنْ مَشَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
وَاللَّهِ مَا فِي الخَلْقِ مِثْلُ مُحَمَّدٍ *** فِي الفَضْلِ وَالأَخْلَاقِ وَالعِرْفَانِ
فَهُوَ النَّبِيُّ الهَاشِمِيُّ المُصْطَفَى *** مِنْ خَيْرَةِ الإِنْسَانِ مِنْ عَدْنَانِ
لَوْ حَاوَلَ الشُّعَرَاءُ وَصْفَ مُحَمَّدٍ *** وَأَتَوْا بِأَشْعَارٍ مِنَ الأَوْزَانِ
مَاذَا يَقُولُ الوَاصِفُونَ لأَحْمَدٍ *** بَعْدَ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي القُرْآنِ
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 102]. عِبَادَ اللَّهِ: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ زِينَةُ الأَعْيَادِ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
* أَوَّلًا: فِي العِيدِ اللَّهَ اللَّهَ فِي بِرِّ الوَالِدَيْنِ!!!
* ثَانِيًا: الحَذَرُ الحَذَرُ مِنَ العُقُوقِ يَا سَادَةُ.
* ثَالِثًا وَأَخِيرًا: نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ فِي البِرِّ وَالإِحْسَانِ
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ زِينَةِ الأَعْيَادِ، وَخَاصَّةً وَمِنْ أَجَلِ الْعِبَادَاتِ وَأَنْفَعِهَا إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، خَاصَّةً وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ زِينَةُ الْأَعْيَادِ وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ وَغِذَاءُ الْأَرْوَاحِ، وَخَاصَّةً إِنَّ الْعِيدَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي ثَوْبٍ جَدِيدٍ نَلْبَسُهُ، وَلَا فِي مَائِدَةٍ عَامِرَةٍ نَجْتَمِعُ حَوْلَهَا فَحَسْبُ، بَلْ فِي قَلْبٍ يَفِيضُ بِرًّا بِوَالِدَيْهِ، وَرَحْمَةً بِأَهْلِهِ، وَإِحْسَانًا إِلَى مَنْ حَوْلَهُ؛ إِذْ كَيْفَ يَكْتَمِلُ سُرُورُ الْعِيدِ بِدُونِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، فَهُوَ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَلْزَمِ الْعِبَادَاتِ، وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِهَا الْمُسْلِمُ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ فِي شَهْرِ مَارِسَ يَحْتَفِلُونَ بِالْأُمَّهَاتِ بِمَا يُسَمَّى بِعِيدِ الْأُمِّ، وَنَحْنُ فِي دِينِنَا نَحْتَفِلُ وَنَحْتَفِي بِالْأُمَّهَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، نُحْسِنُ إِلَيْهَا وَنَبَرُّهَا وَنَدْعُو لَهَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَهِيَ مَصْدَرُ الْهَنَاءِ وَالسَّعَادَةِ، وَهِيَ سِرُّ الِابْتِسَامَةِ، فَلَوْلَاهَا بَعْدَ اللَّهِ وَالْأَبِ الرَّحِيمِ مَا طَابَتِ الدُّنْيَا وَمَا طَابَتِ الْحَيَاةُ، وَخَاصَّةً إِنَّ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ أَعْظَمَ إِحْسَانًا وَتَفَضُّلًا بَعْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الْوَالِدَيْنِ، لِذَا نَجِدُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الرَّبْطَ الْمُبَاشِرَ بَيْنَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ، إِعْلَانًا لِقِيمَةِ الْبِرِّ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَابِطَةَ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ هِيَ أَوَّلُ رَابِطَةٍ بَعْدَ رَابِطَةِ الْإِيمَانِ فِي الْقُوَّةِ وَالرِّفْعَةِ وَالْأَهَمِّيَّةِ وَالتَّأَدُّبِ، وَخَاصَّةً وَدَيْنُ النَّاسِ يَوْمًا سَوْفَ يُقْضَى.. وَدَيْنُ أَبِيكَ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهِ.
أَبَتَاهُ خَرَجْتَ لِتَسْعَى لِلْخَيْرِ فِي كُلِّ صَبَاحٍ * وَحَمَلْتَ سِنِينَ الْهَمِّ تَدْعُونِي لِكُلِّ فَلَاحٍ
عَلَى التُّقَى رَبَّيْتَنِي، إِلَى الْهُدَى أَرْشَدْتَنِي * أَبَتَاهُ فَارْضَ عَنِّي، فَرِضَاؤُكَ يَمْحُو هَمِّي
أَوَّلًا: فِي العِيدِ اللَّهَ اللَّهَ فِي بِرِّ الوَالِدَيْنِ!!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ قَرِينُ التَّوْحِيدِ، وَبَابُ التَّوْفِيقِ، وَعُنْوَانُ الْوَفَاءِ، وَهُوَ أَسْمَى الْعِبَادَاتِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهَا أَجْرًا، وَأَيْسَرُهَا جَهْدًا وَبَذْلًا، وَأَقْصَرُ طَرِيقٍ لِلْجَنَّةِ لَا يُوَفَّقُ لَهُ إِلَّا مُوَفَّقٌ مَيْمُونٌ، وَلَا يَغْفَلُ عَنْهُ إِلَّا غَافِلٌ مَغْبُونٌ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ ﷺ: وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: وَيْحَكَ الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ) وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِرَّ الْوَالِدَيْنِ بِأَمْرِ تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء[36]، (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإِسْرَاءِ: 23].
وَقَرَنَ شُكْرَهُ جَلَّ وَعَلَا بِشُكْرِ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ((أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان: 14]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرِ الْوَالِدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الشُّكْرُ)، فَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَهُمَا)).
وَقَرَنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا رِضَاهُ بِرِضَا الْوَالِدَيْنِ، فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» [رواه البيهقي]، فَالْبِرُّ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَسَتِيرِ الْعُيُوبِ جَلَّ فِي عُلَاهُ – فَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (متفق عليه).
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ؟ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم].
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ؟ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَبِرَّهَا».
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ؟ مَفْخَرَةُ الرِّجَالِ، وَشِيمَةُ الشُّرَفَاءِ، وَخُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَدَأْبُ الأَنْبِيَاءِ وَعَادَةُ الصَّالِحِينَ؛ قَالَ تَعَالَى عَنْ يَحْيَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ [مريم: 14]، وَقَالَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ ((مريم: 32)). بَرُّ الوَالِدَيْنِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا بَرُّ الوَالِدَيْنِ؟ الإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ وَطُولِ العُمُرِ؛ فَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
بَرُّ الوَالِدَيْنِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا بَرُّ الوَالِدَيْنِ؟ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَهَذَا أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَنَعَهُ البِرُّ بِأُمِّهِ مِنْ نَيْلِ شَرَفِ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ هَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَهُوَ يُوصِي سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
بَرُّ الوَالِدَيْنِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا بَرُّ الوَالِدَيْنِ؟ الإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا سَبَبٌ فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ وَتَسْهِيلِ الأُمُورِ وَسَتْرِ العُيُوبِ؛ فَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الغَارِ الثَّلَاثَةِ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ بَارٌّ بِوَالِدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ»، فَفَرَّجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ)).
وَالأُمُّ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الأُمُّ؟ الأُمُّ عِطْرٌ يَفُوحُ شَذَاهُ، وَعَبِيرٌ يَسْمُو فِي عُلَاهُ. الأُمُّ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الأُمُّ؟ الأُمُّ هِيَ قَسِيمَةُ الحَيَاةِ، وَمَوْطِنُ الشَّكْوَى، وَعَتَادُ البَيْتِ، وَمَصْدَرُ الأُنْسِ، وَأَسَاسُ الهَنَاءِ، يَطِيبُ الحَدِيثُ بِذِكْرَاهَا، وَيَرْقُصُ القَلْبُ طَرَبًا بِلُقْيَاهَا. الأُمُّ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الأُمُّ؟ مَحَلُّ البِرِّ وَالإِكْرَامِ، وَهِيَ رَمْزُ التَّضْحِيَةِ وَالفِدَاءِ وَالطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ، وَهِيَ الأَصْلُ الَّذِي يَشْرُفُ بِهِ الوَلَدُ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِصُحْبَتِهِ، وَيَلِيهَا الأَبُ فِي حَقِّ البِرِّ وَالصُّحْبَةِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ». وَاعْلَمْ أَيُّهَا الحَبِيبُ: مَهْمَا كُنْتَ بَارًّا بِأُمِّكَ فَلَنْ تُؤَدِّيَ حَقَّهَا وَلَا بِطَلْقَةٍ مِنْ طَلَقَاتِ الحَمْلِ؛ فَلَقَدْ رَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ حَامِلًا أُمَّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَتَرَى أَنِّي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّكَ أَحْسَنْتَ، وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى القَلِيلِ كَثِيرًا. بَلْ إِنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّ لِي أُمًّا بَلَغَ بِهَا الكِبَرُ، وَإِنَّهَا لَا تَقْضِي حَاجَتَهَا إِلَّا وَظَهْرِي مَطِيَّةً لَهَا، وَأَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهَا، فَهَلْ أَدَّيْتُ حَقَّهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَصْنَعُ ذَلِكَ بِكَ وَهِيَ تَتَمَنَّى بَقَاءَكَ، وَأَنْتَ تَتَمَنَّى فِرَاقَهَا. وَكَيْفَ لَا؟ وَمِنَ البِرِّ الإِحْسَانُ إِلَى أَهْلِ أَبِيكَ وَأُمِّك وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِوَصْلِهَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَكَثْرَةُ الاسْتِغْفَارِ لَهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا؛ فَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟» فَقَالَ ﷺ: «نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ». وَبَلْ مِنَ البِرِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ المُخْتَار ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَبَرُّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ))فَطُوبَى أَيُّهَا الأَخْيارُ لِمَنْ كَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ وأبيه وَأَحْسَنَ إِلَيْهَما قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
* ثَانِيًا: الحذر الحذر من العقوق يا سادة.
أيُّها السادةُ : عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مُنْتَشِرٌ بِصُورَةٍ كَبِيرَةٍ فِي زَمَانِنَا هذا؛ بِسَبَبِ بُعْدِ النَّاسِ عَنْ تَعَالِيمِ دِينِهِمْ, وَغَرَقِهِمْ فِي الْمَادِّيَّاتِ, وَاتِّبَاعِهِمْ لِتَقَالِيدِ الْغَرْبِ وَثَقَافَاتِهِ الْمُنْحَرِفَةِ, وَلِتَأْثِيرِ الْأَصْحَابِ وَالزَّوْجَةِ السَّيِّئَةِ دَوْرٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ عُقُوقِ الْأَبْنَاءِ؛ فَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ, وَالزَّوْجَةُ إِمَّا أَنْ تُعِينَ زَوْجَهَا عَلَى بِرِّ وَالِدَيْهِ أَوِ الْأُخْرَى؛ وَمِنْ هُنَا رَغَّبَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِاخْتِيَارِ ذَاتِ الدِّينِ. وكيف لا ؟ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ علامةٌ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ، وَدَنَاءَةِ الطَّبْعِ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، فعن أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : “الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ“ وَكَانَ مُتَّكِئًا فجلس فَقَالَ:” أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ” قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)(متفق عليه)
بَلِ العاقُّ مَحْرُومٌ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلَّا إِذَا تَابَ وَعَادَ إِلَى اللَّهِ وَأَحْسَنَ إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَاقٌّ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﷺ: «يَا مُوسَى، وَقِّرْ وَالِدَيْكَ فَإِنَّهُ مَنْ وَقَّرَ وَالِدَيْهِ مَدَدْتُ فِي عُمُرِهِ وَوَهَبْتُ لَهُ وَلَدًا يُبَرُّهُ، وَمَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ قَصَّرْتُ عُمُرَهُ وَوَهَبْتُ لَهُ وَلَدًا يَعُقُّهُ» [البخاري، في الأدب المفرد]. بَلِ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الإِحْسَانِ فَقَالَ: «كَثِيرٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَهُ»، وَسُئِلَ عَنْ العُقُوقِ فَقَالَ: «لَوْ خَلَعَ الابْنُ ثَوْبَهُ وَنَفَضَهُ، وَطَارَ الغُبَارُ عَلَى أَبِيهِ، كَانَ هَذَا عُقُوقًا… يَا رَبِّ سَلِّمْ». وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ أَصْحَابِ الأَعْرَافِ، مَنْ هُمْ وَمَا الأَعْرَافُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا الأَعْرَافُ فَهُوَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الأَعْرَافُ لِأَنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَى الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَعَلَيْهِ أَشْجَارٌ وَثِمَارٌ وَأَنْهَارٌ وَعُيُونٌ، وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ يَكُونُونَ عَلَيْهِ فَهُمْ رِجَالٌ خَرَجُوا إِلَى الجِهَادِ بِغَيْرِ رِضَا آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ فَقُتِلُوا فِي الجِهَادِ، فَمَنْعَهُم القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنْ دُخُولِ النَّارِ، وَمَنْعَهُم عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَهُمْ عَلَى الأَعْرَافِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ».
وَعُقُوقُ الأُمَّهَاتِ سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ فِي الحَيَاةِ وَقَبْلَ الْمَمَاتِ؛ يَقُولُ الْمُصْطَفَى ﷺ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ». فَيَا مَنْ عَقَّ أُمَّهُ، وَيَا مَنْ أَتْعَبَهَا وَأَبْكَاهَا، وَيَا مَنْ هَجَرَهَا مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا وَمَضَتْ سَنَوَاتٌ وَهُوَ لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَقْبَلْ يَدَهَا وَيَتَشَرَّفْ بِخِدْمَتِهَا، وَرُبَّمَا مَاتَت وَهُوَ لَمْ يَرَهَا مِنْ عَشَرَاتِ السِّنِين، مَا حُجَّتُكَ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا جَوَابُكَ إِذَا سُئِلْتَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ تَقْصِيرِكَ وَتَفْرِيطِكَ تُجَاهَ أُمِّكَ؟ اسْتَدْرِكِ الْحَالَ، وَاسْتَشْعِرْ قَبَاحَةَ الْفِعَالِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ وُجُودَ الأُمِّ فِي حَيَاتِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُمْنِيَّةٌ تَاقَتْ لَهَا صُدُورٌ مَكْلُومَةٌ، وَبِهَا تَنَالُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى؛ فَرِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ. فَعُقُوقُهَا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَفِي الحَدِيثِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ]، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ بِوَالِدَيْهِ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ))
صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً، قَالَ: “آمِينَ” ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً أُخْرَى، فقَالَ: “آمِينَ” ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً، فقَالَ: “آمِينَ” ثُمَّ، قَالَ: “أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ، فقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ”. يارب سلم
وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ: التَّسَبُّبُ فِي سَبِّهِمَا وَلَعْنِهِمَا, وَقَدْ أَوْضَحَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ذَلِكَ حِينَ قَالَ: “مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ”, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: “نَعَمْ, يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ: أَنْ يَتَخَلَّى الْأَبْنَاءُ عَنْ وَالِدَيْهِمْ عِنْدَ الْكِبَرِ حَالَ الضَّعْفِ, وَهُمَا فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَى الْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ وَلِذَا وَصَّى اللهُ بِهِمَا، خَاصَّةً وَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنَ الْعُمْرِ؛ فَقَالَ -تَعَالَى-: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)[الإسراء: 23]؛ فَالْكَلِمَةُ في هَذَا السِّنِّ تُؤْذِيهِمَا أَشَدَّ الْإِيذَاءِ؛ فَكَيْفَ بِقَبِيحِ الْأَفْعَالِ, وَسُوءِ الْخِصَالِ, وَالتَّنَكُّرِ لِلْجَمِيلِ؟!
غَدًا تُوَفَّى النُّفُوسُ ما كَسَبَتْ … وَيَحْصُدُ الزَّارِعُونَ ما زَرَعُوا
إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ … وَإِنْ أَساءُوا فَبِئْسَ ما صَنَعُوا
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمُ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ……وَبَعْدُ
* ثَالِثًا وَأَخِيرًا: نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ فِي البِرِّ وَالإِحْسَانِ
أَيُّهَا السَّادَةُ: اليَوْمَ يَوْمُ الإِحْسَانِ إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ. إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرَبَ لَنَا أَعْظَمَ الأَمْثِلَةِ فِي البِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَكَيْفَ لَا؟ قَدْ مَدَحَهُ اللَّهُ فِي قُرْآنِهِ عِنْدَمَا أَخْبَرَهُ أَبُوهُ بِالرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا فِي الْمَنَامِ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [سورة الصَّافَّات: 102]. لَوْ كَانَ هَذَا الابْنُ فِي عَصْرِنَا لَوَصَفَ أَبَاهُ بِالْجُنُونِ وَالتَّخَرُّفِ، وَلَكِنَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ أَبْنَاءَ هَذَا الْجِيلِ دُرُوسًا فِي البِرِّ وَالإِحْسَانِ إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا أَصْبَحَ فِيهِ الوَلَدُ لَا يَتَحَمَّلُ أَبَاهُ، وَلَا البِنْتُ تَتَحَمَّلُ أُمَّهَا. بَلْ تَجَرَّأَ الوَلَدُ فَسَبَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَخَاصَمَهُمَا، وَبَلَغَ الأَمْرُ فَضْلَهُ إِلَى ضَرْبِهِمَا، وَأَحْيَانًا قَتْلِهِمَا. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، دَيْنُ النَّاسِ يَوْمًا سَوْفَ يُقْضَى، وَدَيْنُ أَبِيكَ لَا تُقْوَى عَلَيْهِ. اللهُ أَكْبَرُ! إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَضْرِبُ مِثَالًا فِي البِرِّ لَا مِثَالَ لَهُ عِنْدَمَا قَالَ لِأَبِيهِ: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصَّافَّات: 102]. يَا أَبَتِ، لَا تَأْخُذْ رَأْيِي وَلَا تَنْتَظِرْ مَشُورَتِي، نَفِّذْ مَا أَمَرَكَ بِهِ مَوْلاكَ… اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهُ البِرُّ يَا شَبَابُ… وَمَا أَعْظَمَهُ مِنَ البِرِّ!
أَرَأَيْتُمْ قَلْبًا أَبَوِيًّا **** يَتَقَبَّلُ أَمْرًا يَأْبَاهُ؟
أَرَأَيْتُمْ ابْنًا يَتَلَقَّى **** أَمْرًا بِالذَّبْحِ وَيَرْضَاهُ؟
وَيُجِيبُ الابْنُ بِلَا فَزَعٍ **** افْعَلْ مَا تُؤْمَر أَبَتَاهُ
لَنْ نَعْصِي لإِلَهِنَا أَمْرًا **** مَنْ يَعْصِي يَوْمًا مَوْلَاهُ؟
وَاسْتَلَّ الوَالِدُ سِكِّينًا ***** وَاسْتَسْلَمَ الابْنُ لِرَدَاهُ
أَلْقَاهُ بِرِفْقٍ لِجَبِينٍ **** كِي لَا تَتَلَقَّى عَيْنَاهُ
وَتَهِزُّ الْكَوْنُ ضِرَاعَاتٍ **** وَدُعَاءٍ يَقْبَلُهُ اللَّهُ
تَتَضَرَّعَ لِلرَّبِّ الْأَعْلَى ***** أَرْضٌ وَسَمَاءٌ وَمِيَاهُ
وَيُجِيبُ الْحَقُّ وَرَحْمَتُهُ **** سَبَقَتْ بِفَضْلِ عَطَايَاهُ
صَدَقْتَ الرُّؤْيَا لَا تَحْزَنْ **** يَا إِبْرَاهِيمُ فَدِينَاهُ
وَلَكِنْ أَتَدْرُونَ لِمَاذَا كَانَ إِسْمَاعِيلُ بَارًّا بِأَبِيهِ؟ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ بَارًّا بِأَبِيهِ، عِنْدَمَا كَانَ يَدْعُوهُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَبُوهُ يَدْعُوهُ إِلَى الشِّرْكِ. إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو أَبَاهُ إِلَى الجَنَّةِ، وَأَبُوهُ يَدْعُوهُ إِلَى النَّارِ، وَكَانَ دَعَاؤُهُ بِكَلِمَةٍ تَحْمِلُ مِنَ العَطْفِ وَالْحَنَانِ مَا فِيهَا، وَأَبُوهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْقَسْوَةِ وَالغِلْظَةِ وَالفَظَاظَةِ. وَقَدْ صَوَّرَ لَنَا الْقُرْآنُ هَذَا الْمَشْهَدَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 41–48] اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهُ البِرُّ يَا شَبَابُ… وَمَا أَعْظَمَهُ مِنَ البِرِّ! وَلَقَدْ ضَرَبَ سُلَفُنَا الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي بَرِّ الوَالِدَيْنِ وَالتَّلَطُّفِ مَعَهُمَا. فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرُو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَايِعُهُ، قَالَ: «جِئْتُ لِأُبَايِعَكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» [رواه أحمد في مسنده].
وَقَالَ ﷺ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقُلْتُ: كَذَلِكَمُ البِرُّ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ».
وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، فَمَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: «أَنْتَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟» فَقَالَ: «بَلَى»، فَأَعْطَاهُ الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَ عَلَيْهَا، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ». فَقَالُوا لِابْنِ عُمَرَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَعْطَيْتَهُ دَابَّتَكَ وَعِمَامَتَكَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وَدِّ أَبِيهِ».
وَعَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ رَكِبَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ، فَدَخَلَ أَرْضَهُ وَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «عَلَيْكِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُمَّتَاهُ»، فَقَالَتْ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»، فَقَالَ: «رَحِمَكِ اللَّهُ رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا»، فَقَالَتْ: «يَا بُنَيَّ، وَأَنْتَ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَرَضِيَ عَنْكَ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا» [رواه البخاري في “الأدب المفرد”].
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: مَا هَذَا مِنْكَ؟ فَقَالَ: أَبِي، فَقَالَ: لَا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ، وَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ» [رواه البخاري في “الأدب المفرد”]. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لِأُمِّهِ: «ضَعِي قَدَمَكِ عَلَيْهِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «بِتُّ أَغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي – أَي أَدُلُّهَا – وَبَاتَ أَخِي عُمَرُ يُصَلِّي، وَمَا يَسُرُّنِي أَنْ لَيْلَتِي تَكُونُ بِلا لَيْلَتِهِ!» [التبصرة لابن الجوزي]. وَعَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: «لَمَّا مَاتَتْ أُمُّ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بَكَى، فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: كَانَ لِي بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَغُلِقَ أَحَدُهُمَا».
وَهَذَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيٌّ بْنُ الحُسَيْنِ زَيْنِ العَابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ كَثِيرَ البِرِّ بِأُمِّهِ حَتَّى قِيلَ لَهُ: «إِنَّكَ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ بِأُمِّكَ». وَلَمْ نَرَكَ تَأْكُلُ مَعَهَا فِي صَحْفَةٍ، فَقَالَ: «أَخَافُ أَنْ تَسْبِقَ يَدِي إِلَى مَا سَبَقَتْ إِلَيْهِ عَيْنُهَا، فَأَكُونَ قَدْ عَقَقْتُهَا)).
أَيُّهَا الأَبْنَاءُ: اتَّقُوا اللَّهَ –تَعَالَى- فِي آبَائِكُمْ، وَأَدُّوا إِلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَأَجْهِدُوا أَنْفُسَكُمْ فِي كَسْبِ رِضَاهُمْ، فَهُمُ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَوْقَاتَهُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ أَعْطَوْكُمْ مِنْ غَيْرِ مَنٍّ وَلاَ أَذًى، وَيَتَمَنَّونَ طُولَ حَيَاتِكُمْ، وَتُعْطُونَهُمْ -أَيُّهَا الأَبْنَاءُ- مَعَ الْمَنِّ وَالأَذَى، مُتَرَقِّبِينَ لِمَمَاتِهِمْ، أَطِيعُوهُمْ، وَالْتَزِمُوا الأَدَبَ مَعَهُمْ، وَلاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ أَصْوَاتِهِمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْغَضَبِ وَالاشْمِئْزَازِ، واعلموا أنَّ مَنْ بَرَّ بِوَالِدَيْهِ؛ بَرَّهُ بَنُوهُ، وَمَنْ عَقَّهُمَا؛ عَقُّوهُ، وَمَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ؛ وَصَلَهُ اللهُ تَعَالى ببِرِّهِ وَإِحْسَانِه ونُصْرَتِهِ، ومَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ تعالَى مِن بِرِّهِ وإحسانِهِ وعَوْنِهِ وتَوفيقِهِ ورحْمتِهِ،
فَالْإِحْسَانَ الإِحْسَانَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَالْبِرَّ البِرَّ قَبْلَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَاتَ، وَالْحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ الْعُقُوقِ، فَالْعُقُوقُ دَيْنٌ أَنْتَ قَاضِيهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ.
دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ***** إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا *** فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانٍ
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَصَلَاتَنَا وَزَكَاتَنَا، وَأَنْ يَحْفَظَ مِصْرَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ.