زكاة الفطر بين النص والمقصد: إطعامٌ أم إغناء؟


بقلم د. ميرنا يونس

بسم الله، والحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد …

فإن عيد الفطر يُشرق على الأمة بعد شهرٍ من الصيام والقيام، فتفيض القلوب شكرًا لله تعالى على تمام النعمة، وتعلو في الأفق معاني الرحمة والتكافل، وفي ختام هذا الشهر المبارك شُرعت زكاة الفطر لتكون جسرًا من الرحمة يصل بين الغني والفقير، وتعبيرًا عمليًّا عن روح الأخوَّة التي أرساها الإسلام في المجتمع؛ فهي عبادةٌ تجمع بين طهارة الصائم وإغناء المحتاج، وبين الامتثال للنصوص الشرعية وتحقيق المقاصد الإنسانية السامية.

غير أن مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة النقدية ظلت محلَّ نقاشٍ بين الفقهاء قديمًا وحديثًا؛ إذ وقف بعضهم عند ظاهر النصوص التي وردت بتحديدها طعامًا، بينما نظر آخرون إلى مقصدها الأعظم وهو إغناء الفقير يوم العيد. ومن هنا نشأ الخلاف الفقهي الذي يفتح باب النظر والاجتهاد في كيفية تحقيق هذه الشعيرة بما يوافق نصوص الشريعة وروحها معًا، وفيما يلي عرض المسألة عرضًا فقهيًا أصيلًا:

تحرير محل النزاع : اتفق الفقهاء على مشروعية إخراج زكاة الفطر من الأنواع المنصوص عليها.

محل النزاع : اختلفوا في إخراج قيمتها للفقير، سواء كان ذلك بغير سبب، أو بسبب؛ كحاجة الفقير للنقود، أو تعذر شراء المزكي لزكاة الفطر أو غير ذلك، على مذهبيين:

المذهب الأول : مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، حيث ذهبوا إلى عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر.. وتفصيل ذلك :

قال الشيخ أبو الحسن الصغير في مواهب الجليل : ” ما تؤدى منه زكاة الفطر على ثلاثة أقسام تؤدى منه زكاة الفطر، سواء كان جل العيش أو لا، وهو القمح والشعير والسلت إذا كان جل عيشهم جل هذه الثلاثة تؤدى من هذه الثلاثة وتجزئه، والثلاثة فيما بينها يخرج الأعلى عن الأدنى ولا نعكس، وغير هذه الثلاثة التي هي السبعة الباقية من العشرة لا يخرج منها إلا إذا كانت جل عيش أهل البلد، وغير هذه العشرة لا يخرج منه إذا لم يكن جل العيش، واختلف، هل يخرج منها إذا كانت جل العيش أم لا؟ على قولين ”

جاء في روضة الطالبين : ” ويجزئ الحب القديم وإن قلت قيمته إذا لم يتغير طعمه ولونه، ولا يجزئ الدقيق ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تجزئ القيمة ” أ. هـ

وأيضًا قال النووي في المجموع : ” قال الشافعي والأصحاب ولا يجزئ الدقيق ولا السويق كما لا تجزئ القيمة”

وذلك؛ لخبر ابن عمر « فرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين»

«وخبر أبي سعيد كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت»

ورد في كشاف القناع : ” ولا يجزئ غير هذه الأصناف الخمسة، مع قدرته على تحصيلها كالدبس والمصل، والجبن للأخبار المتقدمة، ولا إخراج القيمة لأن ذلك غير المنصوص عليه” أ. هـ، أي غير المنصوص عليه في حديث أبي سعيد، وذلك بزيادة انفرد بها ابن عيينة من حديث أبي سعيد ” أو صاعا من دقيق”

كما جاء في شرح منتهى الإرادات : ” والواجب في الفطرة صاع بر، أي: أربعة أمداد، وذلك خمسة أرطال وثلث رطل عراقي….. لما روى أبو سعيد الخدري فالط : ” كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، او صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط “،….. لا خبز فإنه لا يجوز؛ لخروجه عن الكيل والادخار. وكذا ما في معناه كالهريسة وكذا البكسماط لخروجه عن الكيل، ولا يجزئ أيضا إخراج القيمة، نص عليها وعلى الخبز.” أ. هـ

المذهب الثاني : مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد وبعض المالكية، حيث ذهبوا إلى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وتفصيل ذلك:

جاء في بدائع الصنائع ما نصه : ” وبخلاف صدقة الفطر أنها تتأدى بالقيمة عندنا؛ لأن الواجب هناك معلول بمعنى الإغناء؛ قال النبي – عليه الصلاة والسلام – «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» والإغناء يحصل بأداء القيمة والله عز شأنه أعلم” أ. هـ
وكذلك ورد في حاشية ابن عابدين : ” والحاصل أن دفع القيمة إنما يجوز لو دفع من غير المنصوص، أما لو دفع منصوصا بطريق القيمة عن منصوص آخر لا يجوز إلا أن يبلغ المدفوع الكمية المقدرة شرعا، فلو دفع صاع تمر تبلغ قيمته نصف صاع بر لا يجوز، وعليه أن يتم لمن أعطاهم القدر المقدر من ذلك الجنس الذي دفعه لهم، فإن لم يجدهم بأعيانهم استأنف في غيرهم ” أ. هـ

جاء في باب زكاة الفطر في الإنصاف : ” تنبيه… ولا يجزئ غير ذلك القيمة، والصحيح من المذهب أنها لا تجزئ، وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه وعنه، رواية مخرجة، يجزئ إخراجها ” أ. هـ

قال الإمام الصاوي في شرحه على الصغير : ” بل الموجود في المذهب – طريقتان: عدم إجزاء القيمة مطلقا وإجزاؤها مطلقا، فعدم الإجزاء لابن الحاجب وابن بشير، وقد اعترضه في التوضيح بأنه خلاف ما في المدونة، ومثله لابن عبد السلام والباجي من أن المشهور فيه الإجزاء مع الكراهة…. إلا العين ذهبا أو فضة يخرجها عن حرث وماشية بالقيمة فتجزئ بكره أي مع كراهة وهذا شامل لزكاة الفطر. ” أ. هـ

والراجح:
هو المذهب القائل بجواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة (نقدًا)، وهو مستقر الفتوى في دار الإفتاء المصرية، وذلك للآتي :

١- لأنه في زماننا هذا إخراجها قيمة من النقود أو غيرها تترتب عليه مصلحة راجحة للفقراء، تيسيرًا عليهم في قضاء حاجاتهم ومطالبهم، وهذا يتوافق مع قول النبي ﷺ : أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم.

٢- أن زكاة الفطر شُرعت لمقصد منصوص عليه في الحديث الصحيح وهو: طهرة للصائم من الرفث واللغو، وطعمة للفقراء والمساكين، فالمقصد هو أن يشعر الفقير بفرحة العيد مثل الغني، والفقير اليوم يحتاج أن يشتري لأولاده الملابس الجديدة وهدايا العيد، ولا يصح فيها اليوم غير المال.

٣- كما يدل على رجحان المذهب ما يحدث في الواقع المشاهد أن المساكين عشرات المرات يبيعون الحبوب لنفس التجار الذين اشترى منهم الأغنياء تلك الأصناف بثمن أقل، فهل شرعت زكاة الفطر لإغناء التجار على حساب الفقراء، وإضاعة وقت الفقير في عملية التبادل والمقايضة؟ كما أن بوسع الفقير أن يشتري حبوبا بالمال دون خسارة، ولا يسعه أن يحصل على المال إن أخذ حبوبا إلا بالخسارة.

٤- إن القول بتعبدية الأصناف المذكورة في الحديث فيه نظر؛ وذلك لأن المانعين لدفع القيمة يلجؤون لتقصيد العبادة فلا يلتزمون بالأصناف الواردة في الحديث، ويقولون بإخراجها من غالب قوت البلد، وهو إقرار بالتعليل والتقصيد، وهو أساس ودليل دفع القيمة، غير أننا قلنا بالخروج عن الأصناف الواردة في الحديث إلى المال، وهم قالوا بالخروج عنها إلى غالب طعام أهل البلد.

وعليه؛
فإن مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها خلاف معتبر بين الفقهاء، ولكل فريقٍ أدلته وتعليلاته؛ غير أن النظر في مقاصد الشريعة وأحوال الناس في زماننا يرجح جواز إخراجها نقدًا إذا كان ذلك أنفع للفقراء وأقرب إلى تحقيق مقصد الإغناء الذي شُرعت له هذه الزكاة.

 

ومع ذلك يبقى إخراجها طعامًا هو الأصل الذي وردت به السنة، ومن فعله فقد أحسن وامتثل، ومن أخرجها قيمةً مراعيًا مصلحة الفقير فقد أخذ بقول معتبرٍ عند طائفة من أهل العلم.

وبذلك تتجلى سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها، إذ تجمع بين المحافظة على النصوص وتحقيق المصالح، ليظل مقصدها الأسمى هو نشر الرحمة والتكافل بين الناس، حتى يفرح الجميع ببهجة العيد دون حاجةٍ أو سؤال.

فزكاة الفطر في حقيقتها ليست مجرد مقدارٍ يُخرج، بل رسالةُ رحمةٍ وعدلٍ اجتماعي، تُذكِّر الأمة بأن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يشارك فيه الجميع.

وكل عام والأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بخير، وأسأل الله تعالى أن يتقبَّل منَّا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.
وأن يجعل الله تعالى هذا العيد عيدَ خيرٍ وبركة، وأن يعيده على الأمة الإسلامية باليُمن والإيمان، وعلى أوطاننا بالأمن والاستقرار، وعلى قلوب المسلمين بالمحبة والوئام.