16 مارس، 2026 منوعات اضف تعليق

غير أن هذا الاستحضار في كثير من الأحيان يتم بطريقة انتقائية تُنتزع فيها العبارة من سياقها التاريخي والفقهي والاجتماعي، لتُحوَّل إلى أداة خطابية تُستخدم في صراع اجتماعي مع الرجل، بينما كان الخطاب النبوي في أصله جزءا من بنية تشريعية وأخلاقية متكاملة تنظم العلاقة بين الطرفين ضمن منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة.
فالرسول عندما أوصى الرجال بالنساء لم يكن يخاطب مجتمعا تقوم فيه المرأة برفض سلطة الرجل أو بنقض مبدأ القوامة، بل كان يخاطب مجتمعا تقليديا كانت فيه السلطة الاجتماعية والقانونية للرجل واضحة، ولذلك كان توجيه الخطاب إليه باعتباره الطرف الأقوى في معادلة السلطة داخل الأسرة، وهو ما ينسجم مع ما يسميه علماء الاجتماع بالبنية الهرمية التقليدية للأسرة الأبوية أو النظام الأبوي، حيث تتحدد المسؤوليات والحقوق وفق توزيع واضح للأدوار. ومن هنا فإن مفهوم «النساء عوان عندكم» الذي ورد في بعض الروايات يعكس البنية الاجتماعية لذلك العصر، حيث كانت المرأة في إطار الزواج تحت حماية الرجل ورعايته، وهو ما يفسر توجيه الخطاب الأخلاقي إليه بضرورة الرفق والعدل. غير أن النسويات المتأسلمات في السياق المعاصر يقمن بإعادة توظيف الحديث خارج هذه المنظومة، فيتم التركيز على حق الرفق والإحسان دون الاعتراف بالبنية المقابلة من الواجبات التي يقوم عليها العقد الاجتماعي داخل الأسرة الإسلامية.
هذا التوظيف الانتقائي للخطاب الديني يمكن تفسيره من خلال ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بظاهرة «التحيز التأكيدي»، وهي ميل الإنسان إلى اختيار الأدلة التي تدعم موقفه المسبق وتجاهل الأدلة التي قد تناقضه، ولذلك نجد أن الحديث «استوصوا بالنساء خيرا» يُستدعى بكثرة بينما تُهمل نصوص أخرى تتحدث عن الطاعة الزوجية أو عن تنظيم الأدوار داخل الأسرة أو عن مسؤولية المرأة في حفظ الغيب والاحتباس لزوجها وخدمة بيتها، رغم أن هذه النصوص جزء من البناء الفقهي نفسه.
ومن زاوية فلسفية يمكن قراءة هذا السلوك ضمن ما وصفه الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بآلية «إعادة تأويل القيم» حيث تقوم بعض الجماعات بإعادة تفسير النصوص الأخلاقية بما يخدم مصالحها في صراع القوة داخل المجتمع، فيتحول النص من قاعدة أخلاقية متوازنة إلى أداة صراع رمزي.
وإذا انتقلنا إلى التحليل السوسيولوجي فإن ما يحدث يعكس تحولا عميقا في بنية المجتمع الحديث حيث دخلت المرأة سوق العمل وتغيرت أدوارها الاجتماعية نتيجة التحولات الاقتصادية والثقافية التي رافقت الحداثة، وهو ما أشار إليه عالم الاجتماع إميل دوركايم حين تحدث عن الانتقال من التضامن التقليدي إلى التضامن العضوي، حيث تتغير الوظائف الاجتماعية وتختلط الأدوار بين الجنسين.
غير أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة إعادة كتابة المنظومة الدينية نفسها، بل تخلق حالة من التوتر بين القيم التقليدية والواقع الاجتماعي الجديد، وهو التوتر الذي يظهر بوضوح في خطاب النسويات المتأسلمات اللواتي يحاولن الجمع بين خطاب حقوقي حديث وخطاب ديني تقليدي في الوقت نفسه. وفي هذا السياق تظهر مفارقة لافتة، إذ إن كثيرا من هؤلاء النسويات يرفضن مبدأ القوامة ورفضن الرضوخ لسلطة الرجل سواء كان أخا أو أبا أو خصوصا الزوج، ومع ذلك يطالبن بالحقوق التي كانت مرتبطة تاريخيا بهذه القوامة مثل النفقة وحسن المعاشرة والحماية الاجتماعية.
وهنا يظهر مبدأ فلسفي قديم أشار إليه جون لوك في نظريته عن العقد الاجتماعي، حيث أكد أن الحقوق والواجبات داخل أي عقد اجتماعي لا يمكن فصلها عن بعضها، لأن العقد يقوم أساسا على تبادل الالتزامات بين الأطراف. فإذا أخل أحد الأطراف بالالتزامات التي يقوم عليها العقد فإن توازن الحقوق يختل تلقائيا. ومن هذا المنظور يرى بعض المفكرين المحافظين أن المرأة التي تتخلى عن واجباتها الأسرية، مثل الطاعة الزوجية والاحتباس لزوجها وخدمة بيتها، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تطالب بكامل الحقوق التي بُنيت أصلا على تلك الواجبات، لأن العلاقة الزوجية في الفقه الإسلامي تقوم على تبادل الالتزامات لا على المطالب الأحادية.
وهنا يظهر الصراع الثقافي بين نموذجين للمرأة: نموذج المرأة التقليدية القانتة الحافظة للغيب، ونموذج المرأة الحديثة المتحررة التي تشارك في الفضاء العام وتعيد تعريف دورها الاجتماعي. هذا الصراع ليس خاصا بالمجتمعات الإسلامية وحدها، بل هو جزء من جدل عالمي حول معنى الحرية الفردية وحدودها داخل البنية الاجتماعية. وقد تناول علماء الاجتماع مثل ماكس فيبر هذا النوع من التحولات عندما تحدث عن عملية «نزع السحر عن العالم» التي رافقت الحداثة، حيث تتراجع المرجعيات التقليدية لصالح الفردانية الحديثة. وفي هذا السياق تصبح النصوص الدينية نفسها موضوعا لإعادة التفسير وفق مصالح الجماعات المختلفة، فتظهر قراءات متعارضة للنص الواحد. ولذلك فإن الجدل حول حديث «استوصوا بالنساء خيرا» ليس في حقيقته جدلا حول حديث واحد، بل هو انعكاس لصراع أعمق حول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع الحديث، وحول ما إذا كانت المنظومة الأسرية التقليدية ستظل قائمة على توزيع الأدوار التاريخي أم ستتحول إلى نموذج جديد قائم على المساواة الكاملة في السلطة والواجبات.
وفي قلب هذا الجدل يقف السؤال الفلسفي القديم حول العدالة: هل العدالة تعني المساواة المطلقة بين الأطراف، أم تعني توزيع الحقوق والواجبات وفق طبيعة الدور الاجتماعي لكل طرف؟ هذا السؤال ظل محل نقاش طويل في الفلسفة السياسية منذ أرسطو الذي ميز بين العدالة الحسابية والعدالة التوزيعية، ولا يزال مطروحا اليوم في النقاشات المعاصرة حول قضايا المرأة والأسرة. ولذلك فإن استدعاء حديث «استوصوا بالنساء خيرا» بمعزل عن بقية المنظومة التشريعية والأخلاقية لا يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر في النقاش، لأن النصوص الدينية لا يمكن فهمها إلا ضمن سياقها الكلي الذي يجمع بين الحقوق والواجبات، وبين الرحمة والانضباط، وبين السلطة والمسؤولية، وهي منظومة متكاملة لا يمكن اختزالها في شعار واحد يُرفع في ساحة الصراع الاجتماعي.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف