
بقلم الدكتور: أشرف سعد الأزهرى
الدرة الفاخرة في بيان أصول عقيدة السادة الأشاعرة :
يسألني كثير من الناس الآن عن معنى كلمة العقيدة الأشعرية، ولماذا يرفضها البعض ويتهمها بأنها طريقة مخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة وطريقة السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، وطلب مني بعض طلاب العلم أن أشرح هذه القضية بشكل ميسر سهل مبسط بعيد عن تعقيدات المتكلمين واصطلاحات المناطقة والأصوليين.
فأحببت أن ألبي طلبهم وأن أوضح لهم معالم منهج الأشاعرة في صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، وقبل أن أوضح معالم هذا المنهج، أود أولا أن أوقف القارئ الكريم على حقيقة هامة تحتاج إلى تأمل ونظر ألا وهي أن معظم إخواننا السلفيين الوهابية الذين ينتقدون منهج الأشاعرة اليوم ويتهمونه بالبدعة والتعطيل في صفات رب العالمين لم يكلفوا أنفسهم في الغالب الأعم بقراءة كتاب واحد في العقيدة الأشعرية، بل كل ما يرددونه من أغاليط وأكاذيب ما هي إلا إلزامات خصومهم لهم وتحاملهم عليهم، لا ما نقله علماء الأشاعرة وقرروه في كتبهم، من المنطقي والبدهي أنك إن أردت أن تتعرف على منهج ما وتستبين أصوله وتتضح لك معالمه فينبغي عليك أن تقرأ كتب هذا المنهج التي ألفها أصحابه أولا ثم لك بعد ذلك أن توافق أو أن تخالف بل وترد وتنتقد لا بأس، لكن ليس من الإنصاف أن تذهب إلى كتب الخصوم ثم تردد ما يقولون على أنه حقائق، ثم إذا سألناك متى وأين قال الأشاعرة هذا؟ لم نجد منك جوابا إلا قال ابن تيمية. قال ابن القيم. قال ابن عبد الوهاب. قال ابن العثيمين….إلخ فهذه نقطة منهجية لابد من الاتفاق عليها في أول الأمر.
هناك خطايا منهجية أخرى يقع فيها خصوم الأشاعرة لا أحب التعمق فيها الآن حتى ندخل في المقصود.
الأشاعرة : هم المنتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، واسمه علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أمير البصرة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن حَضَّار الأشعري اليماني البصري. ولد بالبصرة سنة 260 هـ ، فجده هو الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه.
نشأ الأمام أبو الحسن في بداية أمره معتزليا ربيبا لأبي علي الجبائي رأس المعتزلة وعاش في بحار الاعتزال أربعين عاما، ينافح عن مذهب المعتزلة، وبغض النظر عن الأسباب الموضوعية التي تسببت في تحول الإمام الأشعري عن طريقة المعتزلة إلى وضع منهج لأهل السنة والجماعة، إلا أننا نستطيع القول إن الإمام الأشعري مع طول الرحلة والبحث والنظر والتأمل في كتب المعتزلة وكتب خصومهم من علماء الحديث، وجد نفسه أمام مفترق طريقين، طريق يعظم العقل غاية التعظيم، ويجعل العقل أصلا للتحسين والتقبيح، ويرد كل الأمور الاعتقادية إلى العقل حتى تصور هذا الفريق معارضة العقل لكثير من مضامين النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ونظرا للاهتمام البالغ من هذا الفريق بالعلوم العقلية والفلسفية وهجران علوم الإسناد والحديث نشأت تلك الغلبة العقلية عندهم، فلم يكلفوا أنفسهم وضع منهج يجمع بين العقل والنقل معا، بل ردوا وأنكروا كل ما تصوروا أنه مخالف للعقل. فأنكروا – جملة – إثبات الصفات لله تعالى، ونفوا أن يكون لله تعالى صفة قائمة بذات الله سبحانه وتعالى، وقالوا إن الصفات أغيار، أي ليست هي الذات الإلهية فإن كانت حادثة فقد قلنا بقيام الحوادث بذاته تعالى، وإن كانت قديمة وأثبتنا أنها مغايرة لذات الله تعالى فقد قلنا بوجود قدماء مع الله تعالى، ومن ثم أنكروا وجود صفات لله تعالى، كذلك أنكروا الخوارق ومنها معجزات الرسل والأنبياء وكثير مما يتعلق بتفاصيل الأمور السمعية الغيبية.
أما الفريق الآخر فهم طائفة أهل الحديث الذين غلب عليهم جمع الروايات وطرقها وعللها والسفر والترحال مسافات طويلة ربما لأجل إسناد واحد، ونظرا لأن علم الحديث وحده منظومة جبارة ضخمة متكاملة تقوم على الجمع بين عدة علوم كلها خادمة للإسناد وهو طريق وصول النص النبوي إلينا وصيانته وحمايته عن اختلاط كلام النبي صلى الله عليه وسلم بكلام غيره من البشر صيانة للسنة الطهرة كمصدر للتشريع، بذل علماء الحديث جهودا جبارة لإقامة العلوم الخادمة للإسناد كعلم الجرح والتعديل وعلم العلل والبلدان والأسماء والكنى والألقاب والوفيات وما تشابه أو تداخل من تلك الأمور، وبحثوا في ظواهر كثيرة متعلقة بالإسناد وأقاموا عليها علوما شتى يصعب على من اشتغل بها في الغالب أن يهتم بعلم آخر، وقد كان بين علماء الحديث في بادئ أمرهم وبين علوم المعقول والمنطق جفوة رهيبة، وكانوا يحذرون أكثر ما يحذرون من إعمال العقل في النص خاصة في الظواهر المتعلقة بما ينسب للذات العلية من أوصاف تقرب أو تشبه الذات الإلهية من الذوات البشرية،
ولم يتجرأ علماء الحديث على الخوض في هذه النصوص وتأويلها وسلموا بظواهرها مع التسليم بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وأن الله تعالى لا تشبه صفاته صفات البشر كما لا تشبه ذاته ذوات البشر بوجه من الوجوه، بيد أن علماء الحديث لم يهتموا بصيانة متون الأحاديث ومضامينها عن الفهوم المنحرفة الخاطئة بنفس القدر الذي اهتموا به بصيانة أسانيد النصوص عن كل ما يخل بها. وهذا الذي أوقع بعضهم في التمادي والإغراق في الروايات الباطلة المضمون التي تصف الله تعالى بما لا يقبله منطق ولا يستسيغه عقل، ولا أريد أن أعدد هنا تلك الروايات الباطلة، وأكتفي بأن أقول إن بعضهم قال: إن الله لو شاء أن يجلس على ظهر بعوضة لاستقلت به فكيف بعرش عظيم؟؟؟ ويقول: إن الله يتحرك وينزل ويصعد، وهذا هو معنى كونه حيا في نظره.
وبسبب النفرة من العقل والمنطق تسرب اعتقاد التجسيم في الذات الإلهية إلى بعض رجال علماء الحديث، كما تسرب الغلو العقلي عند المعتزلة فأنكروا الصفات.
إنها إشكالية غلبة جانب علمي على جانب آخر، وهي مشكلة نعاني منها حتى اليوم.
هذه هي مفارق الطرق التي واجهت الإمام أبا الحسن الأشعري رحمه الله، فحاول الإمام أن يضع منهجًا واحدا ثابتا يجمع فيه بين مميزات المنهج العقلي وبين مميزات المنهج النقلي الحديثي ويوحد بينهما في وحدة واحدة كمنهج معتمد لتقرير العقائد الإلهية وإقامة البراهين عليها وإنهاء الشقاق والخلاف المحتدم بين الطائفتين.
فالإمام أبو الحسن نظر إلى القرآن الكريم فوجد أن الله تعالى قد ذكر العقل ومجده ودعا إلى إعماله في الأنفس والآفاق وجعل العقل وسيلة إلى المعرفة عن طريق النظر في الآفاق الكونية والسير في المسالك الأرضية وبين أن العقل قادر على النظر بما يوصله إلى الله تعالى.
لكن العقل قد لا يستقل وحده بالالتفات إلى قضية النظر في الكون والآفاق لكنه قد يحتاج إلى منبه ومحفز ودافع يدفعه إلى ذلك دفعا ويحثه عليه حثا، فأرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين وأيدهم بالبراهين الساطعة والدلائل النيرة على إثبات وجود الله ووحدانيته وأنه سبحانه الواحد الأحد الخالق، ومن قبل ذلك أيدهم بالمعجزات الباهرة الدالة على أمانتهم وصدقهم، ولكن ما الذي يحكم بصدق هذه المعجزة؟ وما الذي يفرق بينها وبين الدجل والسحر ؟ إنه العقل لا غير.
فوقف الإمام أبو الحسن على خطورة وأهمية دور العقل في التعرف على الله سبحانه وتعالى، وإن بداية انقياد الإنسان إلى الرسل والأنبياء إنما هو بإعمال العقل في المعجزة.
كما أدرك الإمام أبو الحسن الأشعري أهمية نصوص القرآن والسنة والأحاديث الصحيحة والوقوف عند حدودها ورد متشابهها إلى محكمها. فالقرآن والحديث به المحكم وبه المتشابه، والمحكم معروف هو البين الواضح وهو لا يحتاج إلى اجتهاد وتأويل، لكن ما هو المتشابه؟ المتشابه هو الذي أشكل معناه ولم يتضح فهمه، واحتاج في فهمه إلى نظر وتأمل وتأويل.
فالآيات والأحاديث المتشابهات: مثل الآيات التي تنسب إلى الله تعالى من حيث ظاهرها الوجه أو اليدين أو الجلوس أو المجيء….إلخ وهي نصوص استوقفت العقل وحيرته. لأن العقل يجزم باستحالة مشابهة الله تعالى لخلقه، والعقل يجزم باستحالة الجسمية والجهة والتركيب والأعضاء على الله تعالى، لأن الله تعالى لو كان متصفا بهذه الأشياء فلا فرق بينه وبين مخلوقاته. وقد قامت البراهين العقلية على أن كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وقد اتفق العقل مع محكم النقل بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
إن الإمام الأشعري أدرك أن الله تعالى خاطبنا بهذه المتشابهات لحكم عالية بليغة، لأن العقول التي تستمع إلى هذه النصوص ليست على نمط واحد ومقدرة واحدة في قوة الإدراك والفهم والتدبر والتفكير، فالعامي البسيط يدرك منها شيئا غير ما يدركه العالم المتبحر، فالعامي مثلا يشعر من خلال سماع هذه التقريبات بوجود الله تعالى معنا بذاته وجودا حقيقيا ويشعر بقربه منا وإحاطته بنا، أما العالم والعابد والسالك فلهم شأن آخر. ولذلك ربما ضر التأويل بالعامي أشد الضرر ما لم تقم عنده شبهة التجسيم.
هكذا حاول الإمام أبو الحسن الأشعري أن يجمع بين منهج أهل العقل وأهل الحديث في وحدة واحدة وخاصة في فهم قضية الصفات الإلهية ورد المتشابه منها إلى المحكم، وأن الإنسان من الممكن أن يفوض معاني هذه المتشابهات إلى قائلها سبحانه وتعالى، ومن الممكن ألا يقف عند حد التفويض، بل ربما اتسع المجال إلى التأويل بحسب الشبهات والحاجات التي تدفع العالم لذلك.
استقرت مدرسة الإمام أبي الحسن الأشعري على مبدأ الجمع بين العقل والنقل ورد المتشابهات إلى المحكمات في أصول الدين والعقائد، وهو في نظري أعظم ظاهرة علمية في تاريخنا بعد الإمام الشافعي رضي الله عنه الذي جمع بين منهج أهل الفقه وأهل الرأي في علوم الفقه والأحكام.
وكشأن أي منهج تتبلور فكرته الرئيسية على يد المؤسس الأول ثم تتطور هذه الفكرة وتنتشر عبر رجال يعملون على تطويرها وصيانتها، انتشر المذهب الأشعري وتطور ولم يكن تلامذة الأشاعرة ورواد منهجه نسخة مكررة من الإمام الأشعري، بل اتفقوا معه في أصل المنهج والفكرة وربما خالفوه في بعض التفاصيل التي لا تضر، وهذا مستمر إلى يومنا هذا.
ولنتذكر جيدا أن الفكرة المحورية والعمود الفقري لمنهج الإمام الأشعري رضي الله عنه هو الجمع والموازنة بين العقل والنقل. بين مميزات المدرسة العقلية وبين مميزات المدرسة الحديثية.
قام رجال عظام أجلاء على ترميم وصيانة هذا المنهج وكثر أتباعه، وعلى مستوى الأمة الإسلامية هجرت الطريقة النقلية الصرفة وكذلك الطريقة العقلية الصرفة، وانتشرت طريقة الإمام أبي الحسن الأشعري كطريقة جامعة لمعالم منهج أهل السنة والجماعة على الأصول النقلية والأسس العقلية، والتف حولها أكثر العلماء من محدثين وفقهاء وأصوليين ومناطقة ومفسرين، وكذلك اعتمدتها المعاهد العلمية الكبرى في العالم الإسلامي، وإن نظرة متفحصة لأي مكتبة عالم أو مؤسسة علمية في شتى الفنون الشرعية توقفنا على مدى الخدمات العلمية الجليلة التي قام بها العلماء الأشاعرة في كافة العلوم والتخصصات من فقه وأصول وتوحيد وحديث ومنطق وفلسفة ولغة …إلخ حتى إنك لو كلفت نفسك عناء أن تخلي مكتبتك من مصنفات الأشاعرة في الفقه والحديث والتفسير والكلام وعلوم القرآن والسيرة لما تبقى عندك إلا النذر القليل من المصنفات التي لا تفي بالغرض ولا تسد الحاجة.
علماء الأشاعرة هم أئمة الدنيا وناشرو العلم والحضارة.
علماء الأشاعرة، هم الإمام الباقلاني وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وفخر الملة والدين الإمام الرازي، والقاضي عياض، والنووي، وابن الصلاح، والتقي السبكي، والتاج السبكي، والبلقيني، وابن الملقن، والقرطبي وابن كثير، وابن حجر العسقلاني والهيثمي، وابن حجر المكي والرملي، والشيخ زكريا الأنصاري وملا علي القاري، والسيوطي.
علماء الأشاعرة: هم علماء مصر والأزهر الشريف المعمور، هم علماء الشام والأموي بدمشق، هم علماء الهند والديوبند وندوة العلماء، وهم علماء شنقيط، وهم علماء الحجاز والإحساء والحرمين، وهم علماء اليمن وحضرموت، وهم علماء القدس، والزيتونة، وعلماء القرويين، وعلماء الأربطة بغابات إفريقية.
علماء الأشاعرة: هم أهل التنزيه ومبطلو التجسيم والتجسيد والتشبيه.
علماء الأشاعرة هم أئمة الدين والتوحيد وهم حملة راية أهل السنة والجماعة.
علماء الأشاعرة: لا ينكر فضلهم على الدنيا إلا جاهل أو متعالم غير تقي، ولا يبغضهم إلا مجسم أو مشبه شقي، لا يحيد عن منهجهم إلا من أبغض التنزيه، ولا تنكب طريقهم إلا أهل الضلال والتيه.
علماء الأشاعرة: هم أئمة أهل السنة والجماعة رضي الله عنهم، وأرضاهم.