نحو خريطة طريق لتحصين العقل المسلم.. كيف نواجه الأفكار المتطرفة؟


بقلم الشيخ : سيف الدين سمير الأزهري

إنَّ معركتنا اليوم مع التطرف ليست معركة “أجساد” بل هي معركة “عقول”، والأفكار لا تُحاصر بالأسوار، بل تُفند بالحقائق وتُهزم بالمنهج الصحيح. إنَّ الانحراف الفكري الذي نراه اليوم، والذي يخالف الفهم السوي للدين الإسلامي، يتطلب منا “استراتيجية شاملة” تهدف إلى “البناء” قبل “الهدم”، فالعقل الفارغ هو المرتع الخصب لكل فكر غريب.

أولاً: التحصين المؤسسي (المدرس والمنهج)
يبدأ الإصلاح من “قاعة الدرس”، فالمعلم هو خط الدفاع الأول. لذا، يجب العمل على:
تطوير الكوادر الأزهرية: عبر عقد دورات نوعية ومكثفة للمدرسين في المعاهد الأزهرية، لا تقتصر على المادة العلمية فقط، بل تشمل “فن الحوار” وكيفية تفكيك الشبهات المعاصرة.

غرس العقيدة في التعليم العام: إن حرمان طالب “التعليم العام” من دراسة مادتي العقيدة والفقه بشكل منهجي يجعله لقمة سائغة للمتطرفين. يجب إدراج مبادئ الفقه المذهبي وعقيدة أهل السنة والجماعة (الأشعرية والماتريدية) في مدارس الدولة؛ لنبني طفلاً يفرق بين “النص” وبين “تأويل الجاهلين”.

ثانياً: المنابر الواعية (أئمة الأوقاف)

الإمام هو لسان حال الدين في المجتمع، لذا فإن دورات “أئمة الأوقاف” يجب أن تتحول من مجرد دورات إدارية إلى “ورش عمل فقهية وفكرية”، تهدف إلى تجديد الخطاب الديني بما يلامس واقع الناس، ويغلق الأبواب التي يتسلل منها أصحاب الأجندات المتطرفة.

ثالثاً: النزول للميدان (الدعوة بالاتصال المباشر)

لا يجب أن ننتظر الناس حتى يأتوا إلينا في المساجد، بل على الداعية أن “ينزل إلى الشارع”. إن التواجد في تجمعات الشباب، والمقاهي، والنوادي، والحديث مع الناس بلغتهم البسيطة، هو الذي يكسر الحاجز النفسي ويعيد الثقة في “الزي الأزهري” كمرجعية وحيدة للفهم الصحيح.

رابعاً: “التعليم والتعلم”.. كيف نؤسس أطفالنا؟

إن القاعدة الذهبية هي “التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”. وتأسيس الأطفال على عقيدة أهل السنة يتطلب منهجية “التلقين المصحوب بالفهم”:

التدرج: نبدأ بجمال الإسلام ورحمته قبل الخوض في الأحكام المعقدة.

القدوة: الطفل يتعلم بالعين قبل الأذن، فإذا رأى ديناً سمحاً في سلوك معلمه، استقر الحق في قلبه.

غرس الأصول: تعليمهم أن “الله ليس كمثله شيء”، وأن “الاختلاف رحمة”، وأن “حرمة الدماء” من أقدس أصول الدين.

ختاماً:
إن مواجهة التطرف ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي تكامل بين البيت والمدرسة والمسجد. إننا نحتاج إلى “عقل أزهري” يقرأ التراث بعين، ويقرأ الواقع بالعين الأخرى، ليقدم للناس “روح الإسلام” الحقيقية التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.