لحظة ان ادرك الوهابيون انهم ليسوا على شئ!!


اعداد الاستاذ / سيد حسن

المقال السادس عشر من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

 

الإخوان ( اخوان من طاع الله ) هم جنود الجيش الوهابى الذي قدم لعبد العزيز ال سعود أهم انتصاراته. كان هذا الجيش قد شكل وعبىء بالفكر الوهابي بعد أن اختير أفراده من أبناء البدو البسطاء الذين عاشوا بين أهليهم حياة الغزو والسلب والنهب، التي كانت سائدة في الجاهلية، والتي لم يثور الوهابيون ضدها ولا شملتها على ما يبدو تعاليمهم لتكفر الذين يقومون بها ، بل على العكس راحوا يمارسونها على أوسع نطاق متخذين الدين كتبرير لها .

وأصبح جيش الإخوان لا يعرف سوى الوهابية عقيدة ، فكان المسلمون في نظره مشركين وكافرين باستثناء من يعتنق الوهابية.

وظن هذا الجيش أن زعماء الوهابية يؤمنون فعلاً بالمبادىء التي يطرحونها ، فانساق وراء مخططاتهم يقتل ويسلب وينهب المسلمين وينتهك أعراضهم على أنهم كافرون . ولكن قادة جيش الإخوان، فوجئوا أن زعيمهم عبد العزيز قد عقد معاهدة مع الإنكليز، بعد أن أصبح الإنكليز بطانته ، ومستشاريه . وعند ذلك انكشفت لهم الحقيقة التاريخية التي كانوا ضحيتها فتحركوا .

ولكن الطريف أن الذين عبأوا الجيش بالفكر الوهابي ، أفتوا في النهاية بكفره المعارضته عبد العزيز وأصبح اسمه “جيش الشيطان” بدلاً من “جيش الإخوان” وحمل أوزار كل الارتكابات التي ارتكبت باسم الوهابية في الجولة الوهابية الدموية الثالثة على يدي عبد العزيز آل سعود.

وكان أول تحرك لجيش «الإخوان» بقيادة فيصل الدويش في عيد الأضحى السنة ١٣٤٣هـ / ١٩٢٥م ، وكان أول عيد بعد دخول مكة . ذلك أن «الإخوان» اكتشفوا أثناء الفترة التي قضوها في مكة أن زعماءهم من عبد العزيز فنازلاً يرتكبون ما كانوا صوروا للجيش أن الشرفاء يرتكبونه ، ولكن عبد العزيز انحنى للعاصفة مؤقتاً.

واستمر «الإخوان» في تحركهم فعقدوا مؤتمراً في الأرطاوية بتاريخ ٣ رجب ١٣٤٥ هـ ، والأرطاوية كانت أحد المعسكرات أو الهجرة في نجد أي إحدى دور الهجرة التي كان يهاجر إليها من يعتنق الوهابية ، كما هاجر المسلمون الأولون إلى المدينة.

وحضر المؤتمر رؤساء والإخوان من قبائل مطير وعتيبة والعجمان وتعاهدوا على نصرة دين الله .. واتخذوا بعض المقررات التي تدين تصرفات عبد العزيز ، سواء في علاقاته مع الإنكليز أم بتصرفاته الشخصية وممارساته الأخلاقية ، وأعلنوا أن لا طاعة له عليهم.

ولكن عبد العزيز دعا زعماء الإخوان إلى مؤتمر في ٢٥ رجب سنة ١٣٤٥هـ /١٧ كانون الثاني ۱۹۲۷م واستصدر من رجال الدين الوهابيين الفتاوى التي تبرئه وتدين «الإخوان».

ولكن زعماء الإخوان بقيادة فيصل الدويش وابن بجاد وابن حثلين وابن مشهور رفضوا الإذعان وأتبعوا ذلك بهجمات على مراكز ابن سعود العسكرية . فتابع ابن سعود استصدار الفتاوى بتكفيرهم وهدر دمائهم ووعيدهم بالنار . فما كان من أهل نجد الذين عانوا من ممارسات الإخوان الدموية إلا أن تحركوا ضدهم غافلين عن أن عبد العزيز كان هو المسؤول عن كل الممارسات وإلا كان عاقب عليها عند القيام بها . أما عبد العزيز نفسه فانتقل إلى «بريدة» وجعلها مركزاً لتجمع أنصاره.

وراح «الإخوان» يعدون العدة. وفي ٣٠ آذار ۱۹۲۹ هاجمت جموع عبد العزيز تجمعات «الإخوان» فأبادت عدداً كبيراً منهم ولم ينج إلا القليل وقد سميت تلك الموقعة بوقعة “السبلة” وقد تواجه فيها أربعون ألفاً من جند عبد العزيز مع أربعة آلاف من الإخوان، ولم تكن الأسلحة متكافئة لا كماً ولا نوعاً.

هذا وقد أسرت قوات عبد العزيز أعداداً من الإخوان فعمد إلى قتلهم حيث ضرب بسيفه و”الرقبان” أعناق سبعين منهم. وكان من بين الأسرى فيصل الدويش نفسه الذي أصيب في المعركة ، ولم يقتله عبد العزيز لأن جراحه كانت بليغة فتركه يموت موتاً بطيئاً .

وأما سلطان بن بجاد ففر ولكنهم خدعوه وألقوا القبض عليه في بلدة “شقراء” فأودعه عبد العزيز السجن مكبلاً وتركه بلا طعام ولا شراب حتى مات. ثم أخذ عبد العزيز يطارد القبائل التي تشكل جيش «الإخوان» من أبنائها ، وخاصة العجمان ، الذين أرسل جموعاً بقيادة ابن جلوي لمطاردتهم في الإحساء.

وفي هذه الأثناء هرب فيصل الدويش من السجن وأقام بين الكويت والإحساء حيث انضم إليه العجمان بعد أن قتل زعيمهم ضيدان بن خالد بن حثلين بيد فهد بن جلوي الذي قتلوه ثأراً بعد أن تزعمهم نايف بن حثلين وقاد لواء هم ضد السعوديين منذ ۱۹ ذي القعدة ١٣٤٧هـ / ۱۹۲۹م . فنشبت المعارك وكانت كل قبيلة منقسمة بين مؤيدي السعوديين والثائرين ضدهم وانتشر الثوار من قبائل مطير (قبيلة الدويش) وعتيبة والعجمان في مناطق نجد والإحساء والشمال.

وأخيراً لجأ عبد العزيز إلى أسلوب شق وحدة القبائل بإرساله لكل منها جنداً من أبنائها الموالين له ثم سير جنداً بقيادة عبد العزيز بن مساعد ، ابن عمه ، فالتقى بعبد العزيز الدويش بن سلطان الدويش فقتلوه وفتكوا بجماعته. عند ذلك تراجع فيصل الدويش إلى حدود الكويت . وفي هذه الأثناء تحرك الإنكليز بمدرعاتهم ومدافعهم لمحاصرته من جهة الكويت والعراق والأردن ليهاجمه محسن الفرم رئيس قبيلة حرب ومعه ابن طوالة وابن سويط وعدد من عربان العراق الموتورين من «الإخوان». وجرت المعركة في ٣٠ أيلول في “منطقة الحفر”، فهزم الدويش ، فانسحب متوجهاً إلى الكويت حيث تصدت له القوات البريطانية فاستسلم في 4 كانون الثاني ۱۹۳۰ ، طالباً اللجوء السياسي ، لدى حكومة العراق المعينة من قبل الإنكليز ، فتظاهر الإنكليز بالقبول ولكنهم نقلوه إلى الجزيرة العربية وسلموه إلى عبد العزيز في ۲۸ كانون الثاني سنة ١٩٣٠ كما سلّموا معه عدداً من رفاقه : أبو الكلاب وجاسر بن لامي وبعض الآخرين.

وبعد تسليم قادة الإخوان إلى عبد العزيز حاول شيوخ “مطير” أن يتشفعوا القريبهم فأخبرهم عبد العزيز أن جده سعوداً الأول كان قد سجن عدداً من شيوخ قبيلتهم ، فجاء عدد من أقاربهم ليتوسطوا لهم، فما كان من جده هذا إلا أن أمر بقطع رؤوس السجناء ، ثم أحضر الغداء للمطيريين ووضع الرؤوس على المائدة وأمرهم أن يأكلوا ، فلما رفضوا أمر بقتلهم أيضاً .

وبعد الخلاص من جيش الإخوان الأول عاد الوهابيون بمساعدة الإنكليز إلى تأسيس جيش جديد ابتداء من سنة ١٩٤٧ .

وتعليقاً على قضية «الإخوان» لنا أن نتساءل : هل كان قادة الإخوان مخلصين للوهابية مخدوعين بشعاراتها أم أنهم كانوا ضالعين في مخططات عبد العزيز حتى إذا شعروا أنه يستأثر بكل غنائمها دونهم تحركوا ؟ .

وعلى الفرضية الأولى لنا أن نتساءل : ألم يكن قادة الإخوان ملمين بتاريخ الوهابية وآل سعود وتقلباتهم وجرائمهم ؟ أم أنهم كانوا لا يرون جرائم في ممارسات أسلاف عبد العزيز، والدليل أنهم هم أنفسهم مارسوا ما هو أبشع منها ؟ .

وأخيراً يبقى التساؤل ، إذا كان قادة الإخوان بالضرورة ملمين بتاريخ العائلة السعودية وما فعلته بقبائلهم نفسها ، فهل اكتشفوا العلاقة مع الإنكليز بعد فتح مكة ؟ ألم يشهدوا مقتل شكسبير في معركة جراب مثلاً ؟ وهل انطلت عليهم خدع عبد العزيز التي استخدمت لإخفاء حقيقة علاقته بالإنكليز ؟ إن كل هذا لا يرجحه العقل السليم فيبقى أن قادة الإخوان كانوا ضالعين مع عبد العزيز فاختلفوا معه بسبب استئثاره.