خاطرة التراويح اليوم

بقلم الشيخ : يوسف محمد السعداوى
من علماء الأزهر والأوقاف

يهديهم ربهم بإيمانهم………من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم اعمالهم فيها…

ربما لم يدرك الناس المعنى الحقيقي لقوله تعالى (ان الله لا يظلم مثقال ذرة)
ربما ينظرون إليه أنه أمر مؤجل إلى يوم الحساب وأن الله يؤجل المجازاة على الأعمال إلى يوم نصب الميزان والعرض والحساب.

ولكن ذلك مناف للحقيقة تماماً ومغاير للفهم الحقيقى للإرادة الإلهية فى ذلك الأمر
فقد تكلم القرآن فى هذه القضية بوضوح فى سورة هود فى قول الله تعالى (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)
وابان أن ميزان العدل منصوب فى الحياة الدنيا قبل قيام الساعة
هذا الميزان الذى حير اصحاب القلوب المريضة ولم يفقهو هذا القضاء الالهى الذى قضاه وفسره الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى سنته.

القضاء المنصوص عليه فى هذه الآية التى تحمل العدل الحقيقى الذى قد يغضب المتعجلين ربهم لعقوبة العصاة والمذنبين او حتى الكفرة والمارقين
لكن العجلة والتعجيل ليس من شأن الخالق سبحانه.

قد يكون ما تراه فى حقك مما قضاه الله عليك من فاقة ونصب وتعب أو بلاء فى مال او نفس او ولد او كان ذلك فى حق غيرك عقوبة وغضب

وما تراه من فتح وبركة ورزق وزيادة فى حقك او حق غيرك رضا من الله عليك وعطاء وحب.

ولكن هذا قياس خاطئ وفهم مغلوط مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)

فلو نظرت فى الآية بتدقيق واوقفك قوله تعالى ثم تدبرت امرين فيه:

الامر الأول (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها:


لفهمت أن الله تعالى ينظر الى المرئ وما يجمع عليه قلبه ونيته ويتطاول اليه حلمه وطموحه وامله وما من اجله يعمل ويكد ويتعب فرأى قلبه لا يتعلق إلا بالدنيا وزينتها ولعلمت انما الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى.


والأمر الثانى (نوف اليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون):


لعلمت أن فهمك للعطاء والمنع مغلوط

وفهمك للبلاء والعافية مغلوط ولعلمت أن الجزاء ناجز وهو من جنس العمل فى الدنيا وفى الاخرة (عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان)

لقد قضى الله تعالى أن يوف طالبى الدنيا اعمالهم فيها

ومعنى يوف أى يجازيهم على اعمالهم فيها وهذا مايوضحه ويفسره حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى يقول فيه
(إذا غضب الله على عبد وكان له من الحسنات بارك الله له فى بدنه فإن بقى له من الحسنات شئ بارك له فى ولده فإن بقى له شئ من الحسنات بارك له فى ماله فإن بقى له شئ من الحسنات هون عليه نزعات الموت حتى يلقى الله وليست له حسنه)وهذا هو المعنى الحقيقى لقوله تعالى (نوف إليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) والمعنى نجازيهم على حسناتهم حتى نوفيهم اجورهم فى الدنيا لأنهم لم يرجوا بأعمالهم اليوم الآخر ولم يقصدوا بها وجه الله.

وهذه رسالة ربانية إلى كل من يفعل الخير ويرجوا من وراءه نفع دنيوى لا يفعله ادخارا ليومه الآخر ولا يرجوا به رضا ربه عليه

فلا عجب ان رأيت طلاب الدنيا وأهل الرياء والبطر لديهم من زينة الدنيا وحطامها وهم فى بركة وسعة تتمناها انت ولا تنال منها شئ رغم انك من أهل النقاء والصفاء وأهل التقوى والبر
فهؤلاء يوفيهم الله اعمالهم فى الدنيا ومالهم فى الآخرة من نصيب
وعلى النقيض يرى اهل الايمان والصلاح انفسهم فى بلاء ويكابدون العيش والأولاد والأرزاق ويظن الناس انهم أهل الغضب والسخط من الله وهذا قياس خاطئ مغاير لفهم الوفاء والجزاء
فكما يوف الله اهل المعاصى والذنوب وأهل الكفر والعصيان حسناتهم فى الدنيا بالعطاء والوفرة والبركة حتى لا يتبقى عمل صالح لهم فى الميزان يوم القيامة
كذلك أيضا يكفر عن أهل الايمان والتقوى سيئاتهم فى حياتهم الدنيا حتى لا تتبقى لهم سيئة فى الميزان يوم القيامة
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (وإذا أحب الله عبداً وكان له من السيئات ابتلاه فى بدنه فإن بقى له شئ من السيئات ابتلاه فى ولده فإن بقى له شئ من السيئات شدد عليه سكرات الموت حتى يلقى الله وليست له سيئة)

إنها المقاصة الإلهية ولا يظن عبد أن فعل السيئات منجاة له من البلاء بل هو عين الشقاء (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

فلا احد يستطيع أن يسبق قضاء الله ولا أن يتفلت من قدر قدره عليه
وفى آخر المطاف الكل سيوفيه الله عماله (وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
أسأل الله لى ولكم الهداية ونقاء السريرة وحسن القصد وقبول الأعمال والنجاة من الفتن والبلايا اللهم آمين يارب العالمين .