سقوط الدرعية
14 مارس، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

المقال الثانى والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
الطريق إلى العيينة :
حين انقشعت سُحب الدم عن سماء الدرعية، وأُخمدت حرائق الجدران المنهارة في حاراتها، عاد اسم محمد بن عبدالوهاب يتردد على الألسنة لا كإمام لدعوة، بل كظلٍ ثقيل يمضي في أثره كثيرون ولا يرونه. ومع ذلك، لم تكن النار التي خَبَتْ نهاية لمسيره، بل كان ذلك إيذانًا بمرحلة جديدة من التيه الممزوج بالسلطة، حيث يتداخل فيها الدين بالتاريخ، واليقين بالدم.
في صباح باكر من ربيع عام 1765، وقف محمد بن عبدالوهاب على تلّة مشرفة على أطلال قديمة للعيينة، تلك البلدة التي طُرد منها قبل عقود بأمر من الحاكم العثماني في الإحساء، بعد ضغوط من وجهاء المنطقة، وخشية من أن تنتقل ناره إلى نسيج المجتمع ذاته.
كان واقفًا بثوبه الأبيض المغبر، وبصره لا يزال معلقًا بأفق يلوح فيه الماضي كأنما يناديه. بجانبه وقف حفيده الصغير عبدالله، الذي كان يومًا ما يسترق النظر إلى جده وهو يكتب في محبرة سوداء على جلد غزال.
قال له الطفل: – جدي، أهذه هي العيينة التي طردوك منها؟
أجاب الشيخ وقد غاص صوته في صمتٍ ثقيل: – نعم، هذه هي الأرض التي حرمتني من المنبر، ولكنها لم تحرمني من الرسالة.
في الطريق إليها، كان قد عبر قُرى ومضارب عدة، يستمع للناس على استحياء، فيرى عيونًا تخشى صدام اسمه أكثر مما تخشى النار. كانت أخبار معارك الدرعية قد سبقت وصوله، وذاع بين الناس أن الشيخ لم يعد رجل الدعوة بل رجل الدولة، وأن سيف ابن سعود قد صار نصَّه، وسياسته قد صارت تأويلًا لعقيدته.
لم يكن محمد غافلًا عن هذا التحول، بل كان يراه كلما أمسك بالقلم. لقد تغيّر الحبر… لم يعد أداة توضيح، بل أداة تصنيف: هذا مبتدع، وهذا مشرك، وهذا تُقطع رأسه.
في العيينة، زار قبر زيد بن الخطاب، الذي كان قد أمر بهدم قُبته في شبابه، حين رأى فيه بوادر تعظيم لا تليق إلا بالله. لكنه الآن، لم يتقدّم شبراً نحو القبر. فقط ظل واقفًا على مسافة، كأنّ القبر يهمس له: “أيها الشيخ، أكلتَ من التاريخ أكثر مما أطعمته.”
في مجلس الشيخ القديم، حيث كان يُدرّس الفقه والحديث في شبابه، وجد جدرانًا عارية، ومصاحف مُغبرة، وألواحًا لم تمسها يد منذ سنين. كان مجلسه السابق قد هُجر بعد رحيله، وأخذ الناس يتحاشون ذكره، لا خوفًا منه، بل خوفًا من عودة التمزّق.
أرسل إلى بعض تلاميذه الأوائل يدعوهم إلى لقائه. جاءه بعضهم مترددين. أحدهم، الشيخ صالح بن علي، قال له بصوت منخفض: – شيخنا، ما الذي جرى؟ كانت دعوتنا علمًا ونورًا، فكيف أصبحت نارًا وسيفًا؟
نظر إليه محمد نظرة طويلة وقال: – يا صالح، النار لا تأتي من تلقاء نفسها… يُشعلها من خالفوا التوحيد.
فردّ صالح: – بل يُشعلها من ظنّ أنه وحده يعرف الله.
لم تكن المواجهة حادة، لكنها كانت صادقة، ومُربكة. محمد، لأول مرة، شعر أن ذاكرته تتصارع مع تاريخه، وأن صوت ضميره القديم لم يعد يسكنه كما كان.
جلس مساءً يكتب في دفتره:
“قد علمتُ أن الناس لا يُصلحهم الفقه وحده، ولا يكفيهم تحطيم القباب إن بقيت قلوبهم مشدودة للسلطان. ولعلي كنتُ أخلطُ بين النية والوسيلة، فصرت أقتلُ الشرك في قلوبهم بسيفٍ لا يفرق بين غافل وجاحد. فهل أُذن لي أن أعود كما كنت؟ شيخًا في زاوية؟ أم أن الباب الذي عبرته لا يُفتح إلا على السُيُوف؟”
في اليوم التالي، أرسل له أمير جديد من آل معمر رسالة مقتضبة: “يا شيخ، العيينة لا تنسى لك الفتوى التي قُتل بها ابن حمدان. ولا تزال نارها تحت الرماد. فلا تُشعلها.”
كانت الرسالة كافية ليفهم أن الأرض التي خرج منها أول مرة، لا تزال تراه طاردًا لا عائدًا.
فركب دابّته بصمت، وعاد أدراجه.
في الطريق، سأل حفيده: – جدي، هل نعود للدرعية؟
فأجابه دون أن يلتفت: – لا… نعود إلى الله، قبل أن نعود إلى قلاعٍ تنسينا ما بدأنا لأجله.
وفي قلبه، كان يشعر أن الطريق لا يؤول إلى مدينة… بل إلى حساب، لا ينفع فيه نسب ولا تحالف، ولا حتى علم، إن لم يكن مغموسًا بالعدل.
وهكذا ترك العيينة، لا كسابق عهده مجددًا، بل كأثرٍ يمشي على ترابٍ لم يعد يُنكر عليه.
كانت العودة هذه المرة أكثر وجعًا… لأنها عودة بلا رجاء.
بلاغ إلى الغيب:
لم يكن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يومًا كأبيه، لا في الشراسة ولا في اليقين المطلق. كان أقرب إلى الظلال منه إلى النار. حمل اسمه، وورث من دعوته الصدى أكثر مما ورث اليقين. ولعلّه، وهو يحدّق في أوراق أبيه الصفراء، كان يشعر بأن العبء أكبر من عقله، وأن الحكاية التي بدأت قبل عقود، لم تكن له، ولا لأحد من إخوته، بل كانت لكاتبها وحده: محمد بن عبد الوهاب.
في الليالي الأخيرة من حصار الدرعية، حين ضاقت الأرض بمن فيها، وحاصر إبراهيم باشا المدينة كما تُحاصر القصائد الحزينة منافذ النسيان، كان عبد الله يقف في زاوية بيته، ينظر من نافذته الصغيرة نحو التلال السوداء التي تطوّق البلدة كألسنة لهب، ويقول في نفسه:
«هل هذا ما أراده أبي؟ أن نموت في حصار؟ أن نكون نيرانًا بلا رماد؟»
تكدّست الرسائل أمامه، يقرؤها تارة، ويغلقها تارة أخرى دون أن يرد. أكثرها من علماء نجد، وبعضها من خصوم أبيه في الحجاز، وفيها عبارات تتكرر:
«أتبقى متمسكًا بدعوة مزّقت الأمة؟» «أما آن للابن أن يصحح خطأ الأب؟»
لكنه لم يملك الشجاعة للرد لا بالإقرار ولا بالرفض. فهو لا يرى نفسه إمامًا كما كان أبوه، ولا فارسًا في ميدان القلم، بل ظلًا يعيش في حواف النار، يتدفأ دون أن يُحرق.
أمه، زينب، كانت قد قالت له ذات مساء:
– «كان أبوك رجلًا لا يُشبهه أحد، لا أنت ولا إخوتك. كان يكتب وكأن الوحي يُملى عليه، ويتكلم وكأن الله فوّضه بأمر هذه الأمة.»
سألها:
– «وأنتِ؟ هل كنتِ تؤمنين به؟»
نظرت إلى السماء، ثم قالت:
– «كنتُ أحبّه، لا أكثر.»
كان جوابها كصفعة، يُدرك معها عبد الله أن التاريخ لا يُبنى بالإيمان وحده، بل بالمحبة أحيانًا، وبالصمت غالبًا.
جلس تلك الليلة وفتح واحدًا من دفاتر والده، وبدأ يقرأ:
«من قال لا إله إلا الله ونقضها بعمله فقد كفر، ومن استغاث بغير الله فقد اتخذ ندًّا.»
أغلق الدفتر ببطء، وقال:
– «لكنك لم ترَ القرى التي لا تعرف كيف تُفرّق بين الدعاء والعبادة، ولم تسمع حكايات النساء اللواتي لا يعرفن من الدين إلا ما علّمنه أولادهن من أدعية الموالد. هل كنّ مشركات؟»
ثم نهض إلى نافذته مجددًا، كانت النار تقترب من السور الشرقي للدرعية، وجنود إبراهيم باشا يُشعلون النخيل المحيط بالبلدة.
قال لنفسه:
– «هذه النهاية لا تُشبه بداية أبي.»
ثم تذكّر حوارًا قديمًا جمعه بأخيه حسين، الذي كان أقربهم إلى النقد وأشدهم رفضًا للغلو.
قال له حسين ذات مرة:
– «أبي لم يكن نبيًا، يا عبد الله. كان رجلًا يكتب كما يحارب، وكان أحيانًا يُخطئ. لكننا إذا جعلنا كل حرف كتبه عقيدةً، فلن نبني إلا جدرانًا من الحطب.»
لم يجب عبد الله وقتها، لكنه الآن يشعر أن حسين كان أقرب إلى الفهم.
في اليوم التالي، بينما يتقدّم جيش إبراهيم باشا أكثر، دعا عبد الله مجموعة من تلاميذ أبيه، وقال لهم:
– «إذا سقطت الدرعية، فليكن لنا عهد جديد مع الناس. لا تكفير ولا قتال، بل دعوة بالحكمة، وصبر على الجهل.»
نظر إليه أحدهم وقال:
– «أتتنكّر لدعوة والدك؟»
فأجابه عبد الله:
– «بل أُحاول أن أُنقذها من نفسها.»
ثم أضاف:
– «كان أبي يُطلق النار، أما أنا فأُرسل بلاغًا إلى الغيب: إن كنا قد أضللنا، فاغفر لنا، وإن كنا على الحق، فاجعلنا دعاة لا قضاة.»
وبينما كانت جدران الدرعية تتهاوى تحت مدافع الأتراك، وتُطوى صفحة من صفحات الدولة السعودية الأولى، جلس عبد الله على حصير من سعف، يكتب وصيته:
«أنا عبد الله بن محمد، لا أدّعي النبوّة، ولا أملك الحقيقة، لكنني أطلب من الله أن يكون ديني سَترًا لا سوطًا، ونورًا لا نارًا، وأن يُخرجنا من فتنة الغلو كما يُخرج الحي من الميت.»
كانت وصيته تلك أول اعتراف داخلي من بيت آل الشيخ أن الدعوة، كما وُلدت، قد أحرقت أكثر مما أنارت.
ومع دخول إبراهيم باشا إلى قلب الدرعية، لم يهرب عبد الله، بل استقبله في المسجد المهجور، حافي القدمين، بثوبٍ مرقع، وقال له:
– «قاتلتمونا بالنار، فقاتلناكم بالنار، فهل نُجرّب الآن الكلام؟»
نظر إليه إبراهيم باشا لحظة، ثم أمر جنوده بإبقائه في المسجد.
وفي مساء ذلك اليوم، كتب عبد الله آخر ما دُوّن بخطّه:
«إن كانت هذه نهايتنا، فلتكن آخر كلماتنا: لا يُقاتل على الله، ولا يُحتكر الله، ومن جعل من نفسه بابًا إليه، فقد أغلق الأبواب الأخرى.»
وهكذا انتهى بلاغه إلى الغيب. ولم يكن من بعده من يجرؤ أن يُشعل نارًا أخرى.