بوصلة الإنسانية المكسورة أمام وحشية الصراعات الجيوسياسية

بقلم الدكتورة: تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان

لقد فقد العالم بوصلته؛ فجميع العيون شاخصة نحو الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، تترقب في الوقت الحقيقي تبعات نظام عالمي قايض مبادئه بالسلطة. وبينما ترسخ الولايات المتحدة ووكلاؤها أقدامهم في الشرق الأوسط، من ركام غزة إلى شوارع لبنان الملتهبة والظلال المتصاعدة للصراع الذي يشمل إيران، نجد أنفسنا مضطرين لمواجهة حقيقة مؤلمة وهي أننا نعيش في عصر من الوحشية المنظمة. فالموت في كل مكان، والألم والجوع أصبحا هما القاعدة السائدة، ولعل الأكثر إدانة هو النفاق، وانعدام الأمانة، والتدمير المتعمد لكل ما يجعلنا بشراً: المعابد والمساجد والمكتبات والمستشفيات، وأصوات الصحفيين الشجعان الذين يشهدون على هذا الانحلال. إن الفظاعة التي نشهدها اليوم تتجاوز كل وصف، حيث نرى أن أعداد الأطفال والمدنيين الذين فقدوا أرواحهم أو أصيبوا بأضرار جسيمة وتشوهات مستديمة قد بلغت مستويات تفوق بكثير ما شهده العالم في ويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، مما يجعل هذه الحقبة وصمة عار غير مسبوقة في تاريخ البشرية.

إن المأساة لا تكمن فقط في وقوع هذه الحروب، بل في أن القوانين التي زعمنا أنها ستضع ضوابط للقتال قد أثبتت أنها مجرد هياكل جوفاء. وهنا نجد أنفسنا أمام مفارقة وجودية وقانونية؛ ففكرة وجود قواعد للحرب في حد ذاتها تبدو غريبة: كيف يمكننا وضع قوانين لعملية القتل؟ ولماذا نسعى لتنظيم الوحشية بدلاً من اجتثاثها؟ إن السؤال الجوهري الذي يطارد الضمير الإنساني اليوم هو: لماذا تندلع الحرب من الأساس؟ وكيف قبلنا أن يصبح الموت المنظم جزءاً من نظامنا العالمي؟ في الأزمنة الغابرة، كانت الحروب تُخاض غالباً في ميادين معزولة وبعيدة عن التجمعات السكانية، حيث كان المقاتلون يواجهون بعضهم في ساحات محددة، وكانت المدن والمنازل وحياة المدنيين تُعتبر مناطق محرمة ومحمية من ويلات النزاع.

أما اليوم، فقد تبخرت هذه الحواجز، وأصبح المدنيون هدفاً مباشراً، وأصبحت الحروب تُشن في قلب المدن المكتظة، مما يجعل فكرة قواعد الحرب تبدو كأنها محاولة عبثية لشرعنة ما لا يُشرعن. إن هذا التراجع لم يكن مجرد صدفة تقنية، بل هو نتيجة مباشرة لخلع الحرب من سياقها الأخلاقي؛ فعندما غاب الوازع الذي يحرم التعدي على غير المقاتلين، تحولت الحروب من مواجهات محدودة إلى آلات إبادة شاملة لا تميز بين محارب وطفل. وهذا التحول يجعل من الضرورة بمكان العودة إلى تلك المبادئ التي كانت تضع الإنسان خارج دائرة الاستهداف، لا لأن القانون يمنع ذلك فحسب، بل لأن الإنسانية ذاتها تستوجب ذلك كحدٍّ أدنى للعيش المشترك، متجاوزين وهم الحديث عن ضرورة عسكرية وتناسب في القوة، وكأن هناك قدراً مقبولاً من الدمار أو طريقة قانونية لإنهاء حياة البشر.

أزمة قانونية أم انهيار أخلاقي؟
لقد حذر هوغو سليم، الخبير في أخلاقيات الحرب، طويلاً من أننا نتحرك نحو عتبة خطيرة حيث يُنظر إلى العمل الإنساني باعتباره إزعاجاً بدلاً من أن يكون حداً مطلقاً. فعندما تعطي الدول والجماعات المسلحة الأولوية لراحتها التكتيكية على حياة المدنيين، فإنها لا تخوض حرباً فحسب، بل تنخرط في تقويض محسوب لمعنى أن يكون الإنسان شخصاً محمياً. ويذكرنا تحليل سليم بأننا عندما نترك الدافع الإنساني يغيب أمام المنطق البارد للحرب الشاملة، فإننا نفقد القيود الأساسية التي تمنع البشر من الانزلاق إلى وحشية لا حدود لها. هذه ليست مجرد أزمة قانونية، بل هي انهيار أخلاقي عميق. لإيجاد مخرج من هذه الهاوية، يجب أن نتوقف عن التظاهر بأن معاهداتنا العلمانية وحدها قادرة على إنقاذنا، وعلينا أن ننظر إلى تقاطع الأخلاقيات القديمة والواجبات غير القابلة للمساومة لأولئك الذين يحملون السلاح. إننا نعود إلى هذه الأخلاقيات لأن المعاهدات الحديثة تفتقر إلى الوازع الذاتي الذي يحكم ضمير المحارب، فهي تعتمد على عقود سياسية قابلة للفسخ والتأويل، بينما تفرض الأخلاقيات القديمة التزاماً مطلقاً ينبع من المسؤولية الفردية أمام الخالق، مما يجعل حقوق الإنسان حصناً منيعاً لا ينهار تحت ضغط الضرورة التكتيكية أو مكائد السياسة الدولية. إن التراث الإسلامي يقدم سردية مضادة قوية وغالباً ما يتم تجاهلها لواقعنا الحالي؛ فخلافاً للقانون الحديث الذي يستند إلى الموافقة المتغيرة للدول، فإن قواعد الحرب في الإسلام )المعروفة بالسير( متجذرة في تفويض إلهي، حيث معاملة الآخر ليست سياسة، بل اختبار لإيمان المرء. إن الأمر القرآني قاطع: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”.

وهذا يمثل الضابط النهائي للقوة البشرية، إذ يرفض منطق الحرب الشاملة. فعندما نهى النبي محمد عن قتل النساء والأطفال وكبار السن وأولئك المتفرغين للعبادة، لم يكن يقترح أفضلية تكتيكية، بل كان يعلن أن قدسية الإنسان هي حقيقة موضوعية تتجاوز ساحة المعركة. وعلاوة على ذلك، يرسخ القرآن القيمة المطلقة للحياة، فيعلن أن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. وهذا النص يجعل مبررات الحرب الحديثة مستحيلة الدفاع منطقياً وأخلاقياً. كما يطالب القرآن بالعدالة حتى تجاه أولئك الذين نبغضهم، آمراً بأن نكون قوامين لله شهداء بالقسط، وألا يجرمننا شنآن قوم على ألا نعدل، فالعدل أقرب للتقوى، وهذا هو الرد النهائي على استراتيجيات المعاملة بالمثل الحديثة، إذ يفرض العدل كمتطلب لشخصية المرء لا كمكافأة لسلوك العدو.

بين الحسابات الباردة والالتزام الإلهي:
تظهر هذه الصرامة بشكل أوضح في التعامل الإسلامي مع الأسير، وهو ما يبرز تباينًا أخلاقيًا صادمًا مع واقعنا المعاصر. فنحن نعيش في عالم يتم فيه تجريد الأسرى من إنسانيتهم أو محوهم ببساطة، تمامًا كما نشهد اليوم في التعامل مع أسرى غزة، الذين يُحتجزون في ظروف تفتقر لأبسط مقومات الحياة، حيث يتم عزلهم عن العالم، وتتعرض أجسادهم وكرامتهم لانتهاكات ممنهجة تُعد امتدادًا لثقافة الإذلال التي رأيناها سابقاً في سجن أبو غريب، حيث كانت الصور المسربة للعراقيين المحتجزين هناك شاهداً صارخاً على تحول السجان إلى جلاد يمارس أبشع صنوف التعذيب الجسدي والنفسي تحت غطاء السيطرة العسكرية. هذه الممارسات ليست حوادث فردية، بل هي نتاج عقيدة أمنية ترى في الأسير هدفاً يجب كسره لا إنساناً تجب رعايته.

وعلى النقيض من ذلك، يسلط القرآن الضوء على مسار مختلف تماماً، متجاوزاً منطق الانتقام: “ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً”. إن هذا لا يتعلق بمكاسب دبلوماسية، بل يتعلق بالنزاهة الأخلاقية، ففي النموذج الإسلامي المبكر، كانت كرامة الأسير مسؤولية يتحملها المنتصر أمام الله، وليست خاضعة لأهواء القوة أو الرغبة في التشفي. تظل معركة بدر دراسة الحالة التاريخية الحاسمة لمعاملة أسرى الحرب؛ فبعد المعركة أخذ المسلمون سبعين أسيراً، وأصدر النبي محمد أمراً مباشراً بمعاملتهم برفق. توضح الروايات التاريخية الموثقة في أدبيات السيرة مستوى من التعاطف يبدو راديكالياً حتى بمعايير عام 2026. فقد أعطى صحابة النبي المكلفون بحراسة الأسرى ما لديهم من القمح والخبز، بينما اكتفوا هم بالبقاء على التمر. وفي السياق الاقتصادي لجزيرة العرب في القرن السابع، كان القمح والخبز يعتبران أثمن وأشبع بكثير من التمور الأكثر توفراً، وبتقديم الحصص ذات القيمة العالية للأسرى واستهلاك التمور بأنفسهم، أظهر الحراس المسلمون فعلاً عميقاً من التضحية بالذات. وعندما عبر الأسرى عن دهشتهم لتفضيلهم في الحصول على أفضل الطعام، أجابهم الحراس بأنهم يتبعون تعليمات النبي الصريحة بتكريم حقوق الأسير.

حتى الأعداء البارزون مثل سهيل بن عمرو عوملوا باحترام عميق، إذ رفض النبي أن يتم إذلاله، قائلاً إنه إذا مثل بعدو فإن الله سيمثل به حتى وإن كان نبياً. وفي واحدة من أهم اللحظات الفكرية في ذلك العصر، قدم النبي بديلاً عن الفداء المالي التقليدي، معلناً أن أي أسير يعرف القراءة والكتابة يمكنه نيل حريته بتعليم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة، مما حول الاشتباك إلى تبادل تعليمي، مفضلاً المساهمة الفكرية للعدو على قيمته المالية. إن الجانب الأكثر ثورية في هذا الإطار هو رفض مبدأ المعاملة بالمثل؛ إذ يعمل محللو الدفاع الحديثون وفق نظرية ألعاب ساخرة مفادها أننا إذا كان العدو يكسر القواعد فنحن مخولون بكسرها أيضاً، وهو ما يؤدي إلى تآكل متسارع في القيم الأخلاقية. ترفض الأخلاقيات الإسلامية هذا المنطق تماماً؛ فواجبك في أن تكون عادلاً لا يعتمد أبداً على استعداد عدوك لأن يكون عادلاً، بل هو التزام ذاتي ومطلق. وعندما أوصى أبو بكر جيوشه ألا يقطعوا شجراً أو يدمروا سبل عيش السكان المحليين، كان يؤكد مبدأً أخلاقياً أسمى: أن حقوق غير المقاتلين تظل مصونة كأمانة لا يمكن المساس بها، مهما بلغت حدة المواجهة.

إن هذا التجريد يجد دعمه في اللغة الإعلامية؛ إذ يُستخدم مبدأ التناسب كأداة حسابية باردة تبرر مقتل المدنيين تحت مسمى “الأضرار الجانبية”. إن هذا المبدأ في جوهره يعاني من خلل بنيوي، إذ يفترض وجود تكافؤ بين أطراف النزاع، بينما الواقع يجسد فجوة هائلة بين قوة تملك ترسانة تكنولوجية هائلة وأخرى لا تملك أدنى مقومات الحماية؛ فالحسابات هنا تُجرى دائماً من موقع القوة الساحقة، مما يحول المبدأ من أداة حماية إلى رخصة قانونية تشرعن سحق الطرف الأضعف، واصفةً إبادة عائلات بأكملها بـ “خسائر مقبولة” تخدم المصلحة العسكرية للطرف الأقوى. إن دور الإعلام، كما وصفه تشومسكي في “صناعة الموافقة”، يتجاوز المراقبة المحايدة ليصبح مؤسسة لهندسة الوعي العام خدمةً للنخب، وقد اتسع هذا الدور ليشمل جيشاً من “المؤثرين” عبر منصات التواصل، الذين تحولوا لأدوات دعائية لترويج سرديات السلطة وتبييض جرائمها تحت غطاء الرأي الشخصي، مما يضفي صبغة إنسانية زائفة على سياسات التدمير، ويجعل من التضليل عملية أكثر نفاذاً إلى الوعي الجمعي. إن هذا التلاعب ليس عفوياً، بل هو جزء أصيل من استراتيجية تضمن أن يتقبل الجمهور قتل المدنيين كضرورة حتمية، بينما يُطلب منهم الغضب عند حدوث أدنى ضرر للطرف الآخر.

تعتمد هذه المحاولات على استراتيجية التأطير، حيث يتم انتقاء مصطلحات محددة بعناية لتوجيه العاطفة البشرية: ففي سياق الضحايا التابعين لمعسكر الحلفاء، يُكتفى بمصطلح “وفاة” كقدرٍ محتوم، بينما يُستحضر مصطلح “جريمة قتل” في السياق المقابل. هذا التباين اللغوي ليس صدفة، بل هو أداة استراتيجية لشل قدرة المجتمع على التعاطف وتحويل المواطن إلى شريك غير واعٍ في صناعة تبريرات القتل. إن هذا التزييف الممنهج يحول الكارثة إلى مشهد مسرحي يضمن دعم الجمهور، بينما يتم تهميش الأصوات التي تشهد على الحقيقة؛ وهو أمر تجلى بوضوح في الاستهداف غير المسبوق للصحفيين، حيث دفعوا حياتهم ثمناً لمحاولتهم نقل الواقع، في محاولة يائسة من أطراف النزاع لقطع شريان الحقيقة وإبقاء العالم حبيس سردياتهم المضللة. أما في المنظور الأخلاقي الإسلامي، فإن التناسب لا يعني تبرير القتل بقدر ما يعني تحجيم العدوان؛ فلا يمكن لأي ضرورة عسكرية أن تسوغ تدمير مدرسة أو مستشفى. إن الفجوة بين المفهومين واضحة: فبينما يرى التحليل الحديث في المدنيين مجرد أرقام في ملفات الأضرار الجانبية، تفرض الأخلاقيات الإسلامية قيوداً تجعل من حماية الضعفاء أولوية تتجاوز أي مكسب تكتيكي، معتبرةً أن أي انتصار يُبنى على دماء الأبرياء هو في جوهره هزيمة أخلاقية لا يمكن غفرانها.

الالتزام الأخلاقي كآخر خطوط الدفاع:
نحن نشهد حالياً انتحاراً بطيئاً لإنسانيتنا الجمعية، فقد استبدلنا واجب ضبط النفس بالسعي وراء الهيمنة. وإذا أردنا النجاة، يجب أن نرفض الإجرائية التي سمحت لمؤسساتنا بغض الطرف بينما تُحرق المدن وتتحول إلى رماد. نحن بحاجة إلى العودة إلى فلسفة حرب تعترف بهشاشة الحالة الإنسانية والمسؤولية الجسيمة التي تقع على عاتق أي شخص يحمل سلاحاً. لقد حان الوقت للمراقبين الإنسانيين الدوليين والهيئات الحاكمة العالمية أن يتجاوزوا المراقبة العاجزة، وأن يتبنوا مدونة قواعد سلوك إلزامية تستند إلى مبادئ قدسية الإنسان المطلقة. هذا يتطلب إنشاء ممرات محمية فورية لا يتم فرضها من أجل الراحة التكتيكية، بل بالتزام ثابت بكرامة غير المقاتلين.

يجب أن نطالب المجتمع الدولي بأن يدرك أن أي استراتيجية عسكرية تستهدف أسس الحياة كالمستشفيات والمدارس ليست عملاً مشروعاً، بل جريمة ضد الروح البشرية. إن استعادة إنسانيتنا المشتركة تعتمد على رغبتنا في إلزام أنفسنا بهذه الحدود الأخلاقية العليا، مدركين أن القوة الحقيقية لأي أمة لا تكمن في قدرتها على التدمير، بل في قدرتها على إعلاء العدالة حينما تصرخ صفارات الإنذار ويكون العالم في قلب اللهيب. لا تزال كلمات الطبيب والناشط بول فارمر تتردد في ذهني، تذكرني بأننا لا نواجه مجرد فظائع عابرة، بل عرضاً لخلل بنيوي عميق ينهش جسد العالم.

لقد كان يؤمن بعمق أن “فكرة أن بعض الناس أقل أهمية هي أصل كل ما هو خطأ في هذا العالم”. فانتهاكات حقوق الإنسان ليست حوادث عرضية، بل هي أعراض لأمراض سلطوية عميقة. إن نضالنا اليوم ليس فقط من أجل وقف آلة الحرب، بل هو نضال من أجل إقرار المساواة المطلقة في قدسية الحياة، مدركين أن عالمنا لن يتعافى إلا عندما نكف عن تصنيف الضحايا بناءً على هوياتهم أو مصالحنا، ونبدأ برؤية كل إنسان كجزء لا يتجزأ من كرامتنا المشتركة. وفي هذه الرحلة الوعرة لاستعادة إنسانيتنا المفقودة، وبينما نحن في قلب هذا اللهيب، تتردد في أرواحنا كلمات الفاروق عمر بن الخطاب كصرخة حق: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله”.