ليالي رمضان في الصالحية الجديدة بصوت الشيخ محمد فريح


بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي

حين يهل شهر رمضان، تتغير ملامح المدن وتكتسي الشوارع والبيوت بروح مختلفة، روح يسودها الصفاء والطمأنينة. وفي مدينة الصالحية الجديدة، تبدو ليالي رمضان وكأنها لوحة إيمانية نابضة بالحياة؛ حيث تمتزج أصوات المصلين، وأنوار المساجد، وعبق الذكر وتلاوة القرآن، لتصنع مشهدًا روحانيًا لا يتكرر إلا في هذا الشهر الكريم.

مع غروب الشمس، تبدأ الاستعدادات في كل بيت. تتجمع الأسر حول موائد الإفطار، ثم ما تلبث أن تتجه القلوب قبل الأقدام نحو المساجد، وكأن الجميع على موعد مع لحظة إيمانية ينتظرونها طوال اليوم. وتزداد الحركة في الشوارع المؤدية إلى المساجد، حيث يمضي الرجال والشباب وكبار السن، بل وحتى الأطفال، في هدوء ووقار نحو بيوت الله.
ومن بين المساجد التي تكتسب مكانة خاصة في قلوب أهالي المدينة، يبرز مسجد مجاورة 10، الذي أصبح مقصدًا للعديد من المصلين خلال ليالي شهر رمضان المبارك. فمع حلول وقت صلاة العشاء، يمتلئ المسجد بالمصلين الذين يفدون من مختلف المناطق القريبة، أملاً في قضاء وقت من السكينة والعبادة، والاستماع إلى تلاوة عطرة من كتاب الله.

الشيخ : محمد فرdp

وفي هذا المسجد، يقف فضيلة الشيخ محمد فريح إمامًا وقارئًا، ليقود المصلين في صلاة التراويح. وقد عرفه الكثيرون بصوته العذب الجميل الذي يحمل بين نبراته خشوعًا صادقًا وإحساسًا عميقًا بمعاني القرآن الكريم.

ما إن يبدأ الشيخ محمد فريح في تلاوة الآيات حتى يخيم الصمت في أرجاء المسجد، ويعمّ السكون الذي لا يقطعه سوى صدى التلاوة. تتردد الآيات في القلوب قبل الجدران، فيشعر المصلون وكأنهم يعيشون مع كل كلمة، يتدبرون معانيها ويستشعرون نورها.
يمتاز صوت الشيخ بنقاء خاص يجمع بين القوة والهدوء، وبين العذوبة والتأثير. فهو لا يقرأ القرآن مجرد قراءة، بل يتلوه بروح حاضرة وقلب خاشع، فيخرج الصوت من أعماقه محمّلًا بالمحبة والتعظيم لكلام الله. ولذلك يجد المصلون أنفسهم منجذبين لتلاوته، منصتين لكل آية، وكأنهم يسمعونها لأول مرة.

وكثيرًا ما ترى المصلين في تلك اللحظات وقد غلب عليهم التأثر؛ فمنهم من يطرق رأسه خشوعًا، ومنهم من تغرورق عيناه بالدموع، ومنهم من يرفع يديه بالدعاء عند آيات الرحمة. فصوت القرآن إذا خرج صادقًا من قلب خاشع، لا بد أن يصل إلى القلوب مباشرة.
ومع مرور الركعات، يعيش المصلون حالة من الصفاء الروحي العميق. تتلاشى مشاغل الدنيا وهمومها، ويشعر الجميع وكأنهم في عالم آخر، عالم تسوده السكينة ويغمره نور الإيمان.
ولا يقتصر تأثير هذه الليالي المباركة على داخل المسجد فقط، بل يمتد إلى المجتمع كله. فبعد انتهاء صلاة التراويح، يجتمع الناس في ساحات المسجد أو في الطرقات القريبة منه، يتبادلون الحديث الهادئ والابتسامات الصادقة. يلتقي الجيران، ويتصافح الأصدقاء، وتتعزز أواصر المحبة بين أبناء الحي.

الأطفال أيضًا لهم نصيب من هذه الأجواء الرمضانية الجميلة؛ فهم يأتون مع آبائهم إلى المسجد، ويتعلمون منذ صغرهم حب الصلاة والتعلق ببيوت الله. وكثيرًا ما يقفون في الصفوف الخلفية يقلدون الكبار في حركات الصلاة، في مشهد بسيط لكنه يحمل معنى عظيمًا.

وتبقى تلاوة الشيخ محمد فريح إحدى العلامات المميزة لهذه الليالي. فقد أصبح صوته جزءًا من ذاكرة رمضان في مسجد مجاورة 10، ينتظره المصلون كل ليلة بشوق ومحبة. فهناك من يحرص على الحضور مبكرًا ليحجز مكانه، وهناك من يأتي من مناطق أبعد ليستمع إلى تلك التلاوة الخاشعة.

ولعل سر هذا التأثير يكمن في الصدق الذي يملأ الأداء. فالقرآن الكريم حين يُتلى بإخلاص وتدبر، يفتح أبواب القلوب ويبعث في النفوس الطمأنينة. وقد وفق الله الشيخ محمد فريح إلى صوت جميل وأداء مؤثر جعلا الكثيرين يعيشون مع آيات القرآن لحظات إيمانية لا تُنسى.

إن ليالي رمضان ليست مجرد ساعات تمر بين الإفطار والسحور، بل هي لحظات من النور والرحمة، يقترب فيها العبد من ربه، ويجدد فيها إيمانه ويستعيد صفاء قلبه. وفي مدينة الصالحية الجديدة، تتجسد هذه المعاني بوضوح في مسجد مجاورة 10، حيث تجتمع القلوب على حب القرآن، وتتوحد الأرواح في عبادة الله.

وفي ختام هذه المشاهد الرمضانية المضيئة، تبقى ليالي التراويح في مسجد مجاورة 10 واحدة من أجمل الذكريات التي يحفظها أهل الصالحية الجديدة في قلوبهم. فهذه الليالي ليست مجرد صلاة تُؤدَّى ثم تنتهي، بل هي رحلة إيمانية يعيشها المصلون بكل جوارحهم، تبدأ مع أول تكبيرة في صلاة العشاء وتمتد حتى آخر دعاء في ختام التراويح.

إن صوت القرآن حين يرتفع في بيوت الله يحمل معه طمأنينة لا توصف، ويبعث في النفوس شعورًا بالسكينة والسلام. وعندما يكون هذا الصوت صادرًا عن قارئ يمتلك الإخلاص وجمال الأداء، فإنه يتحول إلى جسر يصل القلوب بكلام الله مباشرة. وقد كان صوت الشيخ محمد فريح في هذه الليالي المباركة مثالًا حيًا لهذا الأثر العميق؛ صوت يجمع بين الخشوع والجمال، وبين قوة الأداء وصدق الإحساس.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يرتبط اسم الشيخ محمد فريح في أذهان الكثيرين بليالي رمضان في مسجد مجاورة 10، فقد أصبح صوته جزءًا من تفاصيل هذا الشهر الكريم في المدينة. ينتظره الناس كل ليلة، ويأتون ليستمعوا إلى تلاوته التي تفيض بالسكينة، وكأنها دعوة صادقة للتأمل والتدبر في آيات القرآن الكريم.

ومع مرور السنوات، تبقى مثل هذه اللحظات محفورة في ذاكرة المكان والناس. فربما تتغير الأيام وتتعاقب الأعوام، لكن أثر تلك الليالي الرمضانية يظل حيًا في القلوب؛ لأن اللحظات التي يجتمع فيها الناس على القرآن والعبادة هي من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان في حياته.

إن مدينة الصالحية الجديدة، كغيرها من المدن المصرية العامرة بالإيمان، تحتفظ في ليالي رمضان بروح خاصة لا يمكن وصفها بسهولة. روح يلتقي فيها الجيران، وتصفو فيها النفوس، وتتعالى فيها أصوات القرآن والدعاء. وفي قلب هذه الأجواء المضيئة يظل مسجد مجاورة 10 شاهدًا على تلك اللحظات المباركة التي يجتمع فيها الناس طلبًا للرحمة والمغفرة.

وهكذا تظل ليالي رمضان في الصالحية الجديدة صفحات مضيئة من نور الإيمان، تتزين بتلاوة القرآن وتزداد جمالًا بصوت الشيخ محمد فريح، الذي أصبح رمزًا من رموز هذه الأجواء الروحانية. صوت يوقظ القلوب، ويبعث في النفوس الطمأنينة، ويذكر الجميع بأن أعظم ما في رمضان هو تلك اللحظات التي يقف فيها الإنسان بين يدي الله، منصتًا لكلامه الكريم، مستشعرًا رحمته ونوره الذي يملأ القلوب سكينةً وإيمانًا.