ويل للعرب من شر قد اقترب
12 مارس، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الكاتب و الأديب السوري: محمد نجيب نبهان
تشهد المنطقة العربية في العقود الأخيرة تحولات فكرية وثقافية عميقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي الدولي الذي أحاط بالشرق الأوسط منذ نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فالعالم العربي الذي ظل قرونًا طويلة إطارًا حضاريًا يجمع شعوبًا متعددة تحت مظلة ثقافية ولغوية واحدة، أصبح اليوم مسرحًا لصراعات فكرية وهوياتية متشابكة تتداخل فيها التيارات الدينية المتشددة مع موجات الإلحاد الجديدة ومع مشاريع إعادة تعريف الهوية التاريخية للشعوب التي تعيش في هذه المنطقة. هذه الظواهر لا تبدو متفرقة أو عفوية عند كثير من المراقبين، بل تبدو كأنها أجزاء من عملية تفكيك تدريجية للبنية الثقافية والحضارية التي شكلت العالم العربي عبر قرون طويلة، وهي عملية يرى بعض الباحثين أنها تخدم في النهاية مصالح القوى الدولية الساعية إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يجعلها أكثر قابلية للسيطرة السياسية والاقتصادية.
من بين أبرز العوامل التي أسهمت في تعميق هذا الاضطراب الفكري الجدل المستمر حول الوهابية، وهي الحركة الدينية التي ظهرت في نجد في القرن الثامن عشر ثم تحولت مع قيام الدولة السعودية الحديثة إلى تيار مؤثر في جزء واسع من العالم الإسلامي. لقد قدمت الوهابية نفسها بوصفها حركة إصلاحية تسعى إلى إعادة المسلمين إلى ما تعتبره صفاء التوحيد الأول وتنقية الدين من البدع والممارسات الشعبية التي تراكمت عبر التاريخ. غير أن هذا المشروع الديني لم يمر دون صدامات حادة مع بقية المدارس الإسلامية، خاصة تلك التي تنتمي إلى التراث الأشعري والصوفي المنتشر تاريخيًا في معظم المجتمعات الإسلامية. فقد رأى كثير من علماء هذه المدارس أن الخطاب الوهابي توسع في التكفير والتشدد الفقهي بطريقة أدت إلى تمزيق النسيج الديني التقليدي في العالم الإسلامي وإلى خلق صراعات مذهبية حادة لم تكن موجودة بهذا الشكل في السابق. وهكذا تحولت الوهابية في نظر خصومها من مشروع إصلاحي إلى عامل صدامي ساهم في إضعاف وحدة المجتمعات الإسلامية وإثارة النزاعات بينها.
غير أن المفارقة التي ظهرت في العقود الأخيرة هي أن انتشار الخطابات الدينية المتشددة لم يؤدِّ فقط إلى تعميق التدين في المجتمعات، بل أدى أيضًا إلى نشوء رد فعل معاكس تمثل في صعود موجات من الإلحاد أو اللادينية بين بعض فئات الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمع الانفتاح الإعلامي الواسع الذي وفرته شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشباب العربي على تماس مباشر مع التيارات الفكرية العالمية، بما في ذلك الفلسفات الإلحادية والنقدية التي نشأت في الغرب. وقد ساهمت الأزمات السياسية والحروب والخيبات الاقتصادية في تعميق شعور الإحباط لدى قطاعات من الشباب، وهو ما دفع بعضهم إلى التشكيك في الخطابات الدينية التقليدية التي لم تنجح في تقديم حلول واقعية لمشكلات العصر. وهكذا ظهر ما يسمى بالإلحاد الجديد في المنطقة، وهو تيار لا يقتصر على إنكار الدين بقدر ما يعبر عن تمرد ثقافي على منظومات فكرية يراها بعض الشباب مسؤولة عن حالة الجمود أو الصراع التي تعيشها مجتمعاتهم.
غير أن أخطر التحولات التي تشهدها المنطقة في نظر عدد من المفكرين العرب لا تتعلق فقط بالصراع بين التدين والتشدد من جهة وبين الإلحاد من جهة أخرى، بل تتعلق بما يمكن وصفه بإعادة تشكيل الهوية التاريخية لشعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي السنوات الأخيرة برزت حركات ثقافية وسياسية تسعى إلى إعادة تعريف الانتماء القومي والثقافي بعيدًا عن الإطار العربي الجامع الذي تشكل عبر قرون من التاريخ المشترك. من بين هذه الحركات الدعوات إلى إحياء الهويات السريانية في بعض مناطق المشرق، أو الترويج لما يسمى بالكمايتية في مصر باعتبارها عودة إلى الجذور الفرعونية القديمة، إضافة إلى الحركات التي تدعو إلى إبراز الهوية الأمازيغية في شمال أفريقيا بوصفها هوية مستقلة عن الإطار العربي. من الناحية الظاهرية تبدو هذه الدعوات وكأنها مجرد محاولة لإحياء التنوع الثقافي القديم الذي عرفته المنطقة قبل ظهور الدولة القومية الحديثة، لكن قراءة أعمق لهذه الظاهرة تجعل كثيرًا من الباحثين ينظرون إليها بوصفها جزءًا من عملية أوسع لإعادة تفكيك الهوية العربية الجامعة.
وفق هذا التصور يرى بعض المفكرين أن هذه الهويات لم تتحول إلى مشاريع سياسية وثقافية مؤثرة في العصر الحديث بشكل عفوي، بل جرى تضخيمها وإعادة إحيائها ضمن سياق سياسي دولي يسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على أسس عرقية وثقافية ضيقة. فالقوى الكبرى التي تدخلت مرارًا في شؤون المنطقة منذ نهاية الحقبة الاستعمارية أدركت أن العالم العربي، رغم ما يعانيه من أزمات سياسية، ما يزال يمتلك عنصر قوة حضارية يتمثل في وحدة اللغة والثقافة والتاريخ المشترك. ولذلك فإن إضعاف هذا الإطار الجامع عبر تفتيته إلى هويات فرعية متنافسة يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تحويل المنطقة إلى فسيفساء من القوميات الصغيرة المتنازعة، وهو وضع يجعل السيطرة السياسية والاقتصادية عليها أسهل بكثير. ومن هذا المنظور يُنظر إلى الترويج المكثف لبعض الهويات الثقافية القديمة في وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية بوصفه جزءًا من خطاب سياسي يهدف إلى إعادة تعريف شعوب المنطقة بعيدًا عن مفهوم الأمة العربية.
إن هذا التحول في الخطاب الهوياتي يترافق مع حالة عامة من الاضطراب الفكري والسياسي في العالم العربي، حيث تتداخل الصراعات الدينية مع الحروب الإقليمية ومع مشاريع إعادة بناء الدول على أسس طائفية أو عرقية. وعندما تجتمع هذه العوامل مع صعود الإلحاد الجديد ومع انتشار الخطابات المتشددة التي تثير الانقسامات المذهبية، فإن النتيجة تكون مجتمعًا يعيش حالة من التشظي الفكري والثقافي العميق. في مثل هذا السياق يصبح من السهل إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة عبر تقسيم الدول أو إضعافها من الداخل، لأن المجتمعات التي تفقد شعورها بالهوية المشتركة تصبح أقل قدرة على الدفاع عن مصالحها الجماعية.
لهذا السبب يستحضر بعض الكتّاب العبارة الواردة في الحديث الشريف “ويل للعرب من شر قد اقترب” باعتبارها تعبيرًا رمزيًا عن القلق الذي يساور كثيرًا من المثقفين العرب تجاه مستقبل المنطقة. فهذه العبارة تُستخدم في الخطاب الثقافي المعاصر للإشارة إلى الخوف من مرحلة تاريخية قد تشهد تفككًا غير مسبوق في البنية الحضارية التي تشكلت عبر قرون طويلة من التاريخ العربي والإسلامي. فحين تتعرض الهوية الدينية للتشويه عبر التطرف، وتتعرض الهوية الثقافية للتفكيك عبر صناعة القوميات البديلة، ويتعرض الوعي الجمعي للتشكيك عبر موجات الإلحاد الثقافي، فإن النتيجة قد تكون فقدان الإطار الحضاري الذي جمع هذه الشعوب عبر التاريخ.
إن قراءة هذه التحولات من منظور تاريخي أوسع تكشف أن الصراع الحقيقي في المنطقة لم يعد مجرد صراع على السلطة السياسية، بل أصبح صراعًا على تعريف الهوية ذاتها. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول من يحكم هذه الدولة أو تلك، بل حول السؤال الأعمق المتعلق بمن نحن وما الذي يجمع شعوب هذه المنطقة. وإذا كانت بعض القوى الدولية تسعى بالفعل إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق خرائط جديدة تقوم على الهويات الضيقة، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه العرب اليوم هو الحفاظ على الحد الأدنى من الوعي التاريخي المشترك الذي يمنع تحول هذا التنوع الثقافي إلى أداة لتفتيت الأمة وتمزيقها. فالتاريخ يبين أن الأمم التي تفقد قدرتها على تعريف نفسها ضمن إطار حضاري جامع تصبح أكثر عرضة للتفكك وللاستغلال من قبل القوى الخارجية، وهو ما يجعل قضية الهوية اليوم واحدة من أخطر القضايا التي تواجه العالم العربي في العصر الحديث.