معاهدة المدينة
12 مارس، 2026
بستان النبوة

المقال العاشر من سلسلة (هجرة النبى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
الوحدة والتقارب بين العناصر المكونة للمجتمع في المدينة، فعقد معاهدة أو وثيقة أو كتابا؛ ليكون بمثابة دستور مدني؛ للاحتكام إليه.
ومن الخطوات الهامة التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنائه للدولة الإسلامية الجديدة في المدينة المنورة إصدار وثيقة نظم بموجبها العلاقات بين المجتمع المسلم الجديد نفسه، وبينه وبين الكتل البشرية التي تعايشت في المدينة وبخاصة اليهود، إذ كان من الضروري تنظيم العلاقة بين المسلمين وأنفسهم، وبين المسلمين وغيرهم من أهل المدينة، من أجل توفير الأمن والسلام للناس جميعا، ولذا كانت هذه الوثيقة (الصحيفة) لتنظيم هذه العلاقات.
وقد جاء في هذه الوثيقة او المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم فور هجرته من مكة إلى المدينة؛ لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة، حيث بيّنت الالتزامات، وحدّدت الحقوق، وعرّفت بالواجبات لجميع الأطراف الموجودة داخل المدينة المنورة، ووضحّت طبيعة العلاقة والتعايش بين المسلمين مع بعضهم البعض، من المهاجرين والأنصار وعلاقتهم مع غيرهم من المجموعات البشرية التي تعيش في المدينة خاصة اليهود، في ظلّ الدولة الإسلامية الجديدة التي يعيشون فيها، وذلك لتحقيق الأمن ونشر السلام بين الناس جميعاً، فكانت هذه الوثيقة تمثّل الدستور للدولة، وكانت الدولة التي أنشأها النبي -عليه الصلاة والسلام- هي أول دولةٍ دستوريةٍ، وقد سمّيت هذه الوثيقة في التاريخ والمصادر القديمة الصحيفة والكتاب، وفي الأبحاث الحديثة بالوثيقة والدستور
تحديد مفهوم الأمة :
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين على اختلاف عرقهم وأجناسهم، وأنسابهم وقبائلهم، فالجميع ينتمي إلى الإسلام، وهو فوق القبلية، فانتقل العرب من مستوى القبلية إلى مستوى الأمة، فالمدينة دولة قائمة على التشاركية والمواطنة، دون النظر إلى الفوارق، مع حفظ الحقوق لليهود المقيمين في المدينة، فجاء فيها: “المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس”.
المرجعية لله ولرسوله :
بيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أن المرجعية في الحكم والقضاء هو الشريعة الإسلامية، فالفصل بين الأمور والمخاصمات، وحلّ المنازعات، وفي كل خلافٍ وأمرٍ يحصل بين أفراد المدينة المنورة، مرجعه ومردّه إليه صلى الله عليه وسلم ، فهو رأس الدولة ومصدر السلطات، فهو النبي والحاكم والقائد، فجاء فيها: “وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله –عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
حرية الاعتقاد وحفظ الحريات والحقوق :
ضمنت هذه الوثيقة حرية الاعتقاد والعقيدة لجميع أفراد الشعب، حيث حرص – عليه الصلاة والسلام – في هذه الوثيقة على عدم المساس بعقيدة اليهود، فكل إنسان له الحرية في اعتقاده ودينه، والحق في اعتناق ما يراه ويتصوّره صحيحاً، كما حفظت هذه الوثيقة جميع حريات الإنسان وحقوقه، كالحرية الثقافية والتعبير عن آرائهم، وصون كامل حقوقهم، في ظل قانون الدولة، فجاء فيها: “إن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم”.
التكافل والتضامن الاجتماعي :
أقرّت الوثيقة على مبدأ التكافل الاجتماعي بين الأفراد والقبائل والعشائر في المدينة، لتحقيق التماسك للدولة والحفاظ على قوتها، فالتكافل والتضامن بين أفراد كل قبيلة وعشيرة مبدأ أخلاقي يعمل على التعاون فيما بينهم، ويضمن المحبة والألفة، ويحقق التعارف والتعايش، فالجميع مسؤولون عن بعضهم في جميع أمور حياتهم وشؤونهم، فيزيل البغضاء والشحناء، ويعزّز القيم المشتركة، فجاء فيها: “المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين…وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل”.
تحقيق مبدأ العدالة :
من الأسس التي نصت بها الوثيقة وأكدت عليه، وعملت على تطبيقه؛ هو العدالة التامة بين جميع أفراد المجتمع، وإعطاء كل ذي حق حقه، والتزام كل شخص لأعماله وأفعاله، وتحمّل ما يصدر منه من الخطأ بنفسه، فالعدل هو أساس العيش المشترك وضمان استمرار الحياة، فهو ينظر إلى الإنسانية وحفظ الحقوق، بغض النظر عن أفكار الإنسان ومعتقداته، وبذلك كان الإسلام هو الملاذ والملجأ للأفراد ولصيانة حقوقهم ونصرة المظلوم ومنع الظالم من ظلمه، فجاء فيها: “وإنه لا يَحُولُ هذا الكتاب دون ظالم أو آثم”.
التعاون والتناصح وحفظ الوطن :
جاء التأكيد في الوثيقة على ضرورة أن تكون العلاقة بين جميع طوائف الدولة التعاون فيما بينهم على البرّ والخير، والتناصح المتبادل مهما اختلفت عقائدهم، وأن يكونوا على صلة دائمة، ووضحت وجوب التعاون المشترك في الدفاع عن الدولة وحفظ الوطن ضد أي عدوان خارجي، وحماية أمنها، وقد لا يكون التعاون عسكريًا فقط، بل يشمل أيضاً التعاون في الإنفاق المالي، وكل ذلك بمقتضى المواطنة، فالجميع له الحق في المشاركة في الدفاع عن المدينة وبنائها، وحمايتها من الأخطار الخارجية، وحفظ أمنها وأمانها، فالانتماء للوطن مقدم على الانتماء السياسي والديني والقبلي، فجاء فيها: “وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة”، وأيضا: “وإن بينهم النُّصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم”.
وقد احتفظت المصادر التراثية الموثقة ببنود هذه المعاهدة؛ التي تشهد على السبق الحضاري للإسلام، والتقدم الرائع في تثبيت البناء القويم لمجتمع المدينة، وكانت هذه الوثيقة السياسية هي الأولى في تاريخ الإسلام، فلم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بتحقيق الإخاء بين المسلمين، وإنما وضع ميثاقًا لكل سكان المدينة، يوضح ما لهم، وما عليهم، ويعرفهم بمصدر الحكم والتوجيه، ويجدد لهم وسائل التعامل داخل المدينة وخارجها، حتى عد بعضهم هذا الميثاق بأنه أول دستور إسلامي شرعه الله تعالى لحكم دولة الإسلام في المدينة. ويلاحظ أن هذا الميثاق أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أوحى الله تعالى إليه به، ولم يشاورا أحدًا من سكان المدينة فيه، فهو تشريع خالص من الله تعالى، ملزم لسكان المدينة جميعًا. وقد روى ابن إسحاق نص هذه الميثاق، قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم”. وسوف نستغن عن بعض الفقرات؛ لأننا سندمجها مع أخرى تحت عنوانٍ عام.