العملات الرقمية بين الميزان الشرعي وتقلبات السوق: جدل الفقهاء حول “البيتكوين” ومستقبل المال


بقلم الدكتورة : إيمان إبراهيم عبد العظيم
مدرس بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر – واعظة بوزارة الأوقاف

في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة التي يشهدها العالم، لم يعد المال مجرد أوراق نقدية أو سبائك ذهب، بل تحول إلى أرقام مشفرة تنتقل عبر شبكات الإنترنت في ثوانٍ معدودة. ومع صعود “العملات الرقمية” مثل: ( البيتكوين والإيثيريوم)، إلى واجهة الاقتصاد العالمي، برز سؤال جوهري يشغل بال المستثمرين والمسلمين على حد سواء: ما هو الحكم الشرعي للتعامل مع هذه الأصول الجديدة؟ هل هي مال معتبر شرعاً أم أنها مقامرة محرمة؟

صعود الظاهرة وتحدي الفقه:
لم يمر عقد من الزمان منذ ظهور عملة “البيتكوين” حتى أصبحت حديث الأسواق المالية العالمية. لكن سرعان ما تحول الحديث عن أرباحها الخيالية إلى جدل فقهي حاد.
فالشريعة الإسلامية، بخصائصها الثابتة والمتغيرة، واجهت تحدياً جديداً يتمثل في تقنين “المال الافتراضي” الذي لا يصدر عن بنك مركزي، ولا يغطيه غطاء مادي تقليدي.

التحريم: مخاطر الغرر والجهالة:
يمثل فريق من العلماء والمجامع الفقهية الجناح الحذر في هذه المعادلة. يستند هذا الفريق إلى قواعد فقهية راسخة، أبرزها قاعدة “الغرر” و”الجهالة”.

ويرى أصحاب هذا الرأي، ومنهم عدد من دور الإفتاء في دول عربية وآسيوية، أن العملات الرقمية تفتقر إلى: “القيمة الذاتية”، فهي لا ترتكز على أصل ملموس، مما يجعل قيمتها عرضة لتقلبات عنيفة قد تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.

كما يثير هذا المعسكر مخاوف أمنية، مشيراً إلى أن طبيعة هذه العملات “المجهولة المصدر” في كثير من الأحيان تجعلها أداة خصبة لغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ المال ومنع الضرر.

– الجواز: العرف والتعامل المالي:

في المقابل، يبرز رأي فقهي آخر يتبنى نظرة أكثر مرونة، مستنداً إلى قاعدة فقهية كبرى وهي: “العبرة في الأموال بالعرف والاصطلاح”.

ويجادل هذا الفريق، الذي يضم باحثين في الاقتصاد الإسلامي ومراكز فقهية معاصرة، بأن المال في الإسلام ليس محصوراً في الذهب والفضة، بل كل ما اعتبره الناس مالاً وتداولوه بينهم انتفاعاً فهو مال. وبما أن الأسواق العالمية قد قبلت العملات الرقمية كأصل استثماري ووسيط للتبادل في كثير من المنصات، فإنها تكتسب الصفة الشرعية بـ “العرف”.

ويشترط أصحاب هذا الرأي للتحليل أن يتم التعامل معها كأصل استثماري، وليس كعملة إلزامية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية في بيع وشراء العملات (مثل القبض في مجلس العقد أو ما يعادله رقمياً).

– التمييز بين العملة والأصل:

وسط هذا الجدل، ظهرت دعوات للتفريق الدقيق بين استخدام العملات الرقمية كـ “عملة بديلة” للبنوك المركزية، وبين التعامل بها كـ “أصل رقمي” قابل للتداول.

فبينما يميل كثير من الفقهاء إلى تحريم استخدامها كعملة رسمية لاستبدال النقود الوطنية لما في ذلك من إخلال بسيادة الدولة النقدية، فإنهم قد يميلون إلى الجواز الحذر في حال اعتبارها سلعة رقمية تخضع للعرض والطلب، شريطة خلو العقود من الربا والغرر الفاحش.

– نحو ضوابط تنظيمية:
لا يقتصر الجدل على الجانب الفقهي البحت، بل يمتد إلى الجانب التنظيمي. يرى خبراء أن الحل الأمثل يكمن في: “التقنين والرقابة”. فبدلاً من المنع الكلي الذي قد يدفع السوق إلى الظل، يدعو كثيرون إلى وضع أطر تنظيمية تخضع منصات التداول للرقابة، وتلزم بتطبيق معايير “الشفافية” و”معرفة العميل”، مما يزيل كثيراً من الشبهات المحرمة شرعاً.

وفي الختام نقول:
إن قضية العملات الرقمية ليست مجرد جدل تقني أو اقتصادي، بل هي اختبار لقدرة الفقه الإسلامي على مواكبة المستجدات دون تفريط في الثوابت. وبينما يستمر الجدل بين أروقة المجامع الفقهية، يبقى على المسلم المستثمر أن يتحرى الدليل، ويستشير أهل الاختصاص من الفقهاء والاقتصاديين، متذكراً أن البركة في المال لا تأتي من كثرة عدده، بل من طيب مصدره ووجهة صرفه.

فالمال في الإسلام وسيلة لا غاية، وأي وسيلة جديدة يجب أن تخضع لميزان الشرع قبل أن تخضع لميزان السوق.