صدقة الفطر جدل منع القيمة في زكاة الفطر: جدل بلا مبرر ونسف لمقاصد الشارع
10 مارس، 2026
منبر الدعاة
بقلم الأستاذ : محمد عطية
تعد زكاة الفطر شعيرة إسلامية جليلة، شرعها سيدنا النبي ﷺ طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، ليكون العيد يوماً تغيب فيه الحاجة وتعم فيه الفرحة. إلا أن الوقوف عند ظواهر النصوص والتمسك بحرفية الكلمات في الأحكام واضحة العلة هو قلب للحقائق وتجاهل لمقاصد الشارع الحكيم؛
فمثلاً من يمتنع عن “أكل” مال اليتيم لكنه يتلفه في اللباس أو المسكن بدعوى التمسك بظاهر اللفظ، أو من يضرب والديه محتجاً بأن النهي القرآني اقتصر على قول “أُف”، هو في الحقيقة مخالف لإجماع الأمة والعقلاء. لقد عاقب الله بني إسرائيل حين احتالوا على “نص” منع الصيد يوم السبت بالوسائل الشكلية، لأن العبرة دائماً بمقصد المتكلم وغايته، فالألفاظ ليست مقصودة لذاتها بل هي مجرد جسور للوصول إلى المعاني والحكم والمنفعة الحقيقية التي أرادها الله لعباده في إغناء الفقير وسد حاجته كما أراد سيدنا النبي ﷺ.
وبناءً على هذا المبدأ، يظهر تناقض جلي عند من يمنعون إخراج “القيمة” في زكاة الفطر تمسكاً بظاهر النص، بينما نراهم يجيزون إخراج “الأرز” وغيره مما لم ينص عليه سيدنا النبي ﷺ صراحة؛ فبمجرد انتقالهم من “التمر والشعير” إلى “الأرز” قياساً على القوت، فقد أقروا ضمناً بأن العبرة بالمعنى لا باللفظ ولا بحرفية النص بل ويمتد التناقض حين يتشدق ويَتَفَيْهَق البعض بقاعدة “الأصل في العبادات التوقف” لرفض القيمة، بينما يواظبون على صلاة التراويح شهراً كاملاً والتهجد في العشر الأواخر ودعاء ختم القرآن، رغم عدم ورود نص صحيح صريح ولا ضعيف بهذا الترتيب فأين ذهبت قاعدة “التوقف” هنا؟
إن القول بإجازة القيمة ليس رأياً محدثاً، بل أجازها جمع من الصحابة سيدنا (عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، ومعاذ، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن)، وجمع من التابعين سيدنا (عمر بن عبد العزيز، والبصري، والثوري، وطاووس، والسبيعي)، وجمع من الفقهاء سيدنا (أبو حنيفة، والسرخسي، والبخاري، وابن القاسم، وأشهب، وابن حبيب، وأبو ثور، وابن راهويه، والعيني، والنووي، والجويني، والرملي، وابن تيمية)، وصولاً إلى المعاصرين سيدنا الشيخ (الكوثري، وأبو غدة، والسيد سابق، ومحمد الغزالي، والشعراوي، والقرضاوي، والزرقا، والخليلي، والمطلق، وابن جبرين) وغيرهم، وعليها العمل في دور الإفتاء بمعظم الدول.
إن المسألة بسيطة لا تحتاج كل هذا الضجيج والتعصب والجدل العقيم وليست قضية “عقيدة” كما يحاول أهل البدع والضلال تصويرها ليثير الفرقة بين المسلمين فمن أراد أن يخرجها طعاماً فبها ونعمة، ومن أراد أن يخرجها قيمة فبها ونعمة، ورحم الله من لمَّ شمل الأمة، ووحد صفها، وجمع كلمتها على قلب رجل واحد
[نعمل فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ]