
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا))
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
بِتَارِيخِ: 23 رَمَضَان ١٤٤٧هـ – 13 مَارِس 2026م
لتحميل الخطبة pdf اضغط ادناه
manzelat alsahed
الحَمْدُ للهِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23)، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. فَاللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ الأَطْهَارِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ… فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى العَزِيزِ الغَفَّارِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:102). عِبَادَ اللهِ: ((مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا))عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: الشَّهَادَةُ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَرَجَةٌ عَالِيَةٌ.
-
ثَانِيًا: ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَبَقِيَ أَعْظَمُهُ!!!!!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: لَيْلَةُ القَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ؟
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ مَنْزِلَةِ الشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا وَعَنْ لَيْلَةِ الكَرَمِ الإِلَهِيِّ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ فِي رَمَضَانَ وَفِي أَيَّامِ الِاحْتِفَالَاتِ بِيَوْمِ الشَّهِيدِ، وَرَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ وَشَهْرُ التَّمْكِينِ لِلإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَمَا مِنْ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكَ، وَلَا مِنْ غَزْوَةٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ خَاضَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، إِلَّا وَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَخَاصَّةً وَالوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَذَكَّرَ مَنْ ضَحَّى بِدِمَائِهِ الزَّكِيَّةِ لِلمُحَافَظَةِ عَلَى تُرَابِ هَذَا الوَطَنِ، وَخَاصَّةً وَفِي رَمَضَانَ انْتِصَارَاتِ العَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ الَّتِي سَطَّرَ فِيهَا شُهَدَاؤُنَا الأَبْطَالُ التَّارِيخَ بِدِمَائِهِمُ الزَّكِيَّةِ العَطِرَةِ، فَفِي السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ سَنَةَ 1973م العَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ كَانَتْ مَعْرَكَةُ العُبُورِ حَيْثُ عَبَرَتْ قُوَّاتُنَا المُسَلَّحَةُ خَطَّ بَارْلِيفٍ وَدَمَّرَتْ نِقَاطَ الدِّفَاعِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ وَأَلْحَقَتِ الهَزِيمَةَ بِالقُوَّاتِ الصَّهْيُونِيَّةِ، وَانْتَصَرَ جُنُودُ الحَقِّ عَلَى المُحْتَلِّينَ الإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَارْتَفَعَتْ رَايَاتُ الحَقِّ عَالِيَةً خَفَّاقَةً وَسَجَّلَ التَّارِيخُ هَذِهِ البُطُولَاتِ وَالتَّضْحِيَاتِ لِقُوَّاتِنَا المُسَلَّحَةِ فَضَرَبُوا بِدِمَائِهِمْ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي التَّضْحِيَةِ وَالفِدَاءِ لِدِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ.
مِصْرُ الكِنَانَةُ مَا هَانَتْ عَلَى أَحَدٍ **** اللهُ يَحْرُسُهَا عَطْفًا وَيَرْعَاهَا
نَدْعُوكَ يَا رَبِّ أَنْ تَحْمِيَ مَرَابِعَهَا * *** فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَاللَّيْلُ نَجْوَاهَا
وَخَاصَّةً وَلَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ أَمْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى أُمَّةِ الإِسْلَامِ وَنَبِيِّ الإِسْلَامِ ﷺ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا، حَيْثُ كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهَا وَيَتَحَرَّى لَيْلَةَ القَدْرِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَخاصَّةً وَالطَّاعاتُ في هَذِهِ العَشْرِ أَعْظَمُ فَضْلًا، وَأَرْفَعُ قَدْرًا، وَأَكْثَرُ حَمْدًا، وَأَكْرَمُ أَجْرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّها عَشْرُ التَّجَلِّياتِ، عَشْرُ النَّفَحاتِ، عَشْرُ العِتْقِ مِنَ النّيرانِ، عَشْرُ الرَّحَماتِ، عَشْرُ المَغْفِرَةِ، عَشْرُ إِقالَةِ العَثَراتِ، وَتَكْفيرِ السَّيِّئَاتِ، وَرَفْعِ الدَّرَجاتِ، فَهَلْ مِنْ تائِبٍ؟ فَهَلْ مِنْ نادِمٍ؟ فَهَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ فَهَلْ مِنْ عادٍ إِلى عَلَّامِ الغُيوبِ وَسَتّيرِ العُيوبِ قَبْلَ الرَّحيلِ!»
غَدًا تُوَفَّى النُّفُوسُ ما كَسَبَتْ … وَيَحْصُدُ الزَّارِعُونَ ما زَرَعُوا
إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ … وَإِنْ أَساءُوا فَبِئْسَ ما صَنَعُوا
-
أَوَّلًا: الشَّهَادَةُ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَرَجَةٌ عَالِيَةٌ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدايَةً؛ الشَّهادَةُ مِنْ أَعْظَمِ الرُّتَبِ، وَأَعْلاهَا، وَأَشْرَفِهَا، وَمِنْ أَنْفَسِ المَقاماتِ، وَأَحْسَنِهَا، وَأَبْهاهَا؛ لِما لِأَهْلِها عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلا- مِنَ الأَجْرِ العَظيمِ، وَالثَّوابِ الجَزيلِ، وَالدَّرَجَةِ العالِيَةِ. وَالشَّهادَةُ في سَبيلِ اللهِ اصْطِفاءٌ مِنَ اللهِ -جَلَّ جَلالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْماؤُهُ- وَاجْتِباءٌ لَيْسَتْ لِجَميعِ البَشَرِ، فَالشَّهادَةُ مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَغَنيمَةٌ إِلَهِيَّةٌ يَخْتَصُّ اللهُ بِها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ؛ قالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
وَكَيْفَ لا؟
وَالشُّهَداءُ في المَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ النَّبِيّينَ وَالصِّدّيقينَ كَما قالَ رَبُّنا: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}. وَالشَّهادَةُ في سَبيلِ اللهِ تِجارَةٌ رابِحَةٌ لَنْ تَبُورَ،
وَلِمَ لا؟!
وَقَدْ عَلَّقَ اللهُ عَلَيْها مَغْفِرَةَ الذُّنوبِ، وَالنَّصْرَ في الدُّنْيا، وَالنَّجاةَ مِنَ النَّارِ، وَالفَوْزَ بِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ؛ قالَ جَلَّ وَعَلا: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 111]
وَلِمَ لا؟!
وَالشَّهَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَا كَانَتْ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟) فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» [صحيح البخاري].
لِذَا مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِنِيَّةٍ صَافِيَةٍ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» [صحيح مسلم}
وَلِمَ لا؟!
والشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالشَّهِيدُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَالشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى وَطَنِهِ وَأَرْضِهِ وَعِرْضِهِ، وَالشَّهِيدُ هُوَ الَّذِي يَأْبَى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِهِ، وَيَرْفُضُ المَذَلَّةَ وَالهَوَانَ؛ فَاللهُ –جَلَّ جَلَالُهُ– جَعَلَ العِزَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَإِذَا حَاوَلَ أَحَدٌ أَنْ يَسْتَذِلَّكَ فَدَافِعْ، إِذَا حَاوَلَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَاحَ حَقَّكَ فَقَاوِمْ، إِذَا حَاوَلَ أَحَدٌ ضَيَاعَ وَطَنِكَ فَجَاهِدْ؛ فَالشَّهِيدُ هُوَ مَنْ قُتِلَ دِفَاعاً عَنْ دِينِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ، وَالْوَطَنُ فِيهِ الأَهْلُ وَالعِرْضُ وَالمَالُ؛ فَالدِّفَاعُ عَنْهُ مِنْ أَكْرَمِ الطَّاعَاتِ مَنْزِلَةً، وَأَرْفَعِهَا مَكَانَةً، وَأَكْثَرِهَا بَذْلاً وَعَطَاءً، وَأَخْلَدِهَا ذِكْراً وَثَنَاءً. وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَسْرَعَ النَّاسِ إِلَى الدِّفَاعِ عَنْ وَطَنِهِ، وَالذَّوْدِ عَنْهُ؛ فَحِينَ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، انْطَلَقَ النَّاسُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعاً، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ. وَالشَّهِيدُ الحَقُّ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ دِفَاعاً عَنْ دِينِهِ وَوَطَنِهِ، وَدِفَاعاً عَنْ عِرْضِهِ أَوْ دِفَاعاً عَنْ مَالِهِ؛ فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [رواه الترمذي]. وَسَبَبُ تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ شَهِيداً لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ شَتَّى، مِنْهَا: قِيلَ: لِأَنَّهُ حَيٌّ، فَكَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَاهِدَةٌ أَيْ حَاضِرَةٌ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالجَنَّةِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَشْهَدُ (يَرَى) عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنَ الكَرَامَةِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُشْهَدُ لَهُ بِالأَمَانِ مِنَ النَّارِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَشْهَدُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَتَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الخَاتِمَةِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ المَلَائِكَةَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ. وَقِيلَ لِأَنَّ اللهَ يَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَإِخْلَاصِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ. وَهَا هُوَ نَبِيُّنَا ﷺ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ يَطْرَحُ عَلَى أَصْحَابِهِ سُؤَالاً لِيُغَيِّرَ المَفَاهِيمَ، لِيُصَحِّحَ الأُمُورَ، فَقَالَ ﷺ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذاً لَقَلِيلٌ!» قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)
وَلِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ لَا يَتَّسِعُ الوَقْتُ لِذِكْرِهَا، مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ: الشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ خَيْرِ جِوَارٍ؛ فَأَيُّ نَعِيمٍ بَعْدَ هَذَا النَّعِيمِ؟! أَحْيَاءٌ وَلَيْسُوا أَمْوَاتاً؛ قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾. بَلِ الشُّهَدَاءُ هُمْ أَصْحَابُ الأُجُورِ الوَفِيرَةِ العَظِيمَةِ، وَالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. لِذَا تَمَنَّى نَبِيُّنَا ﷺ أَنْ يَكُونَ شَهِيداً، وَأَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ؛ لِفَضْلِ وَلِمَكَانَةِ الشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]». وَكَيْفَ لَا؟! وَلِلشَّهِيدِ فِي الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ}
وَمِنْ فَضَائِلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ: أَنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَرَائِحَةُ دَمِهِ مِسْكٌ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ}
وَالشُّهَدَاءُ لَا يُصْعَقُونَ مِنَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾؛ فَقَالَ: «مَنِ الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللهُ أَنْ يُصْعَقَهُمْ؟ قَالَ: هُمْ شُهَدَاءُ اللهِ» [رَوَاهُ الحَاكِمُ].وَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ المُبَارَكِ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ حِينَ قَالَ:
وَلَقَدْ أَتَانَا عَنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا … قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لَا يُكْذَبُ
لَا يَسْتَوِي غُبَارُ خَيْلِ اللهِ فِي … أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ
هَذَا كِتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا … لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ لَا يُكْذَبُ
-
ثَانِيًا: ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَبَقِيَ أَعْظَمُهُ!!!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: نعِيشُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمَرَّتِ الأَيَّامُ سَرِيعاً، وَصَدَقَ رَبُّنَا إِذْ يَقُولُ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. بَدَأَتِ العَشْرُ، وَصَدَقَ رَبُّنَا إِذْ يَقُولُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. نَعِيشُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمَرَّتِ الأَيَّامُ سَرِيعاً، وَصَدَقَ رَبُّنَا إِذْ يَقُولُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]. بِالأَمْسِ القَرِيبِ كُنَّا نَنْتَظِرُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَهَا نَحْنُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ؛ فَهَلْ مِنْ مُتَّعِظٍ وَمُدَّكِرٍ؟ قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ؛ إِذَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ!!!» نَعِيشُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمَرَّتِ الأَيَّامُ سَرِيعاً، وَصَدَقَ نَبِيُّنَا ﷺ إِذْ يَقُولُ: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. بَدَأَتِ العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، وَبَدَأَ السِّبَاقُ الحَقِيقِيُّ، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ؛ إِنَّهَا لَيَالِي العَابِدِينَ، وَقُرَّةُ عُيُونِ القَانِتِينَ، وَمُلْتَقَى الخَاشِعِينَ، وَمَأْوَى الصَّابِرِينَ.. لَيَالٍ قَصِيرَةٌ لَا مَجَالَ فِيهَا مِنَ التَّقْصِيرِ، فِيهَا يَحْلُو الدُّعَاءُ، وَيَكْثُرُ البُكَاءُ.. وَتَخْشَعُ القُلُوبُ وَالأَبْدَانُ. إِنَّهَا لَيَالٍ مَعْدُودَةٌ وَسَاعَاتٌ مَحْدُودَةٌ؛ فَيَا حِرْمَانَ مَنْ لَمْ يَذُقْ فِيهَا لَذَّةَ المُنَاجَاةِ! وَيَا خَسَارَةَ مَنْ لَمْ يَضَعْ جَبْهَتَهُ فِيهَا سَاجِداً لِلَّهِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ!! إِنَّهَا لَيَالٍ يَسِيرَةٌ.. وَالعَاقِلُ يَغْتَنِمُهَا؛ لَعَلَّهُ يَفُوزُ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا فِي الجِنَانِ.. إِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ بَلْ جِنَانٌ.. فَيَا نَائِماً مَتَى تَسْتَيْقِظُ؟! وَيَا غَافِلاً مَتَى تَنْتَبِهُ؟! يَا مُقَصِّراً مَتَى تَلْتَزِمُ؟! يَا تَائِهاً مَتَى تَفِيقُ؟!
وَيَا مُجْتَهِداً اعْلَمْ أَنَّكَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالطَّاعَةِ. وَلَا أَظُنُّكَ تَجْهَلُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105]؛ فَمَاذَا سَيَرَى اللهُ مِنْكَ فِي هَذِهِ العَشْرِ؟! وَكَيْفَ لَا؟! ونَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ قُدْوَتُنَا، وَهُوَ أُسْوَتُنَا، وَهُوَ مُعَلِّمُنَا، وَهُوَ مُرْشِدُنَا بِنَصٍّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأَحْزَابِ: 21]، نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَسِيرَ عَلَى دَرْبِهِ وَأَنْ نَقْتَفِيَ أَثَرَهُ. تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. حَيْثُ كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهَا وَيَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ خِلَالَهَا، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ مِئْزَرَهُ، وَجَدَّ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَالْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَغَنِيمَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَنَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ، يَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ، وَيَسْتَغْفِرُ فِيهَا الْمُسْتَغْفِرُونَ، وَيَتُوبُ فِيهَا الْمُذْنِبُونَ. نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ رَبِّكُمْ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا. لِمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَعَلَّ أَنْ تُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ رَبِّكُمْ فَلَا تَشْقَوْنَ بِهَا أَبَدًا.
نَغْتَنِمْ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ أَيُّهَا الأَخْيَارُ: بِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزُّمَر: 53]. فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لَا يُغْلَقُ أَبَدًا، فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ. هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ تَمْحُو الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ؟ قَالَ رَبُّنَا: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70]. اغْتَنِمْ هَذِهِ الْعَشْرَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِيَامِ وَالتَّهَجُّدِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِذُلٍّ وَانْكِسَارٍ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اغْتَنِمْ هَذِهِ الْعَشْرَ بِالإِكْثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَلَا سِيَّمَا ذَلِكُمُ الدُّعَاءُ الْعَظِيمُ الْمَأْثُورُ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ، فَمَاذَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْكَ الْمَلِكُ، فَلَابُدَّ أَنْ تَعْفُوَ عَنِ النَّاسِ. قَالَ رَبُّنَا: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى**** وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً *****إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمُ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ……وَبَعْدُ
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: لَيْلَةُ القَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ؟
مجلة روح الاسلام فيض المعارف