فضل الذكر

المقال الثانى : فى فضل ذكر الله عز وجل 

بقلم / أ.د السيد احمد احمد سحلول 

استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الازهر الشريف

4ـ الذاكر سابق لغيره على الإطلاق :

فالذي يجعل الذكر شغله الشاغل وينفرد عن غيره به يسبق غيره في الفضل ،والرفعة عند الله تعالى

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَt قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِrيَسِيرُ فِى طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ فَقَالَ :« سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ ». قالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ »([1]).

أي المنفردون المعتزلون عن الناس من فرد إذا اعتزل وتخلى للعبادة فكأنه أفرد نفسه بالتبتل إلى الله أي سبقوا بنيل الزلفى والعروج إلى الدرجات العلى([2]).

وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى ([3]).

5_ الذكر من المنجيات من عذاب القبر:

قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ t:مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ([4]).

6_ أهل الذكر يباهي الله بهم ملائكته :

الله عز وجل يظهر فضل الذاكرين للملائكة ، ويبين لهم حسن عملهم ،ويثني عليهم .

فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ tقَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ ؟قَالُوا :جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ قَالُوا :وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّى لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ rأَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّى ،وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ rخَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ :« مَا أَجْلَسَكُمْ ؟». قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلاَمِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: « آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ ؟». قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: « أَمَا إِنِّى لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ ،وَلَكِنَّهُ أَتَانِى جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِى بِكُمُ الْمَلاَئِكَةَ ».

قيل : معنى المباهاة بهم أن الله تعالى يقول لملائكته أنظروا إلى عبيدي هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهويتهم والشيطان وجنوده ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه، وإنما هي منكم كالتنفس منهم ففيها غاية الراحة والملاءمة للنفس.

7_ أهل الذكر تحفهم الملائكة وتغشاهم الرحمة وتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله عز وجل فيما عنده.

فعَنْ الأَغَرِّ أَبِى مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِى هُرَيْرَةَ وَأَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ـــــ رضي الله عنهماـــــ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِىِّ rأَنَّهُ قَالَ :« لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ».

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَt قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:« يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى ،وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِى إِنْ ذَكَرَنِى فِى نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِى ،وَإِنْ ذَكَرَنِى فِى مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِى مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ ،وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ،وَإِنْ

تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ،وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » .

معناه : من تقرب إلىَّ بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة ،وان زاد زدت فإن أَتَانِي يَمْشِى وأسرع في طاعتي “أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم احوجه إلى المشي الكثير في الوصول الي المقصود.

 والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه.

والله عز وجل يذكر الذاكرين عند ذكرهم له

قال تعالى : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)(البقرة:152).

فأمر تعالى بذكره، ووعد عليه أفضل جزاء، وهو ذكره لمن ذكره

وذكر الله تعالى، أفضله، ما تواطأ عليه القلب واللسان، وهو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته، وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر، فلهذا أمر به خصوصا، ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: { وَاشْكُرُوا لِي } أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون بالقلب، إقرارا بالنعم، واعترافا، وباللسان، ذكرا وثناء، وبالجوارح، طاعة لله وانقيادا لأمره، واجتنابا لنهيه، فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة، قال تعالى: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية، من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال، بيان أنها أكبر النعم، بل هي النعم الحقيقية؟ التي تدوم، إذا زال غيرها وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل، أن يشكروا الله على ذلك، ليزيدهم من فضله، وليندفع عنهم الإعجاب، فيشتغلوا بالشكر.

8_ أفضل ما يتعلق به المسلم ويتمسك به ،ويداوم عليه:

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ tأَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ قَالَ :” لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ”.

قال الطيبي: التنكير في “بشيء” للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم كقوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}(التوبة:72)

ومعناه أخبرني بشيء يسير مستجلب لثواب كثير

“لسانك رطبًا من ذكر الله” أي طريًا مشتغلًا قريب العهد منه وهو كناية عن المداومة على الذكر.  

9_ الذاكرون  جميع أمورهم  مستجابة :

فسائل الجنة يفوز بها ، والمستجير من النار يجار منها ، والمستغفر يغفر له ، ومن يجلس معهم له مثلهم .

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَt عَنِ النَّبِىِّ rقَالَ: « إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلًا يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ – قَالَ: – فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ،وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِى الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِى؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِى؟ قَالُوا: لاَ أَىْ رَبِّ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِى ،قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِى؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ – قَالَ :- فَيَقُولُ :قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا – قَالَ: – فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ».

“سَيَّارَةً “:سياحون فى الأرض .

“فُضْلًا “ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق .

فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم ،وإنما مقصودهم حِلَق الذِّكْر .

ومجالس الذكر تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما ،وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى ،وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة.

وفي هذا الحديث: فضل مجالس الذكر والذاكرين ،وفضل الاجتماع علي ذلك وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم اكرامًا لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر .

ويؤخذ من هذا الحديث: أن الذكر الحاصل من بني ادم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة ؛لحصول ذكر الادميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك كله.

10_ الذاكر نافع لنفسه ولغيره:

فالذاكر ينفع نفسه بما يذكر ، وينفع غيره بأن يقتدي به.

فعَنْ أَبِى مُوسَىtقَالَ: قَالَ النَّبِىُّ r:« مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ ،وَالَّذِى لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ » .

شبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وباطنة بنور المعرفة

وغير الذاكر بالميت الذي ظاهره عاطل وباطنه باطل

وقيل: موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت.

وفي الحديث : أن طول العمر في الطاعة فضيلة ، وإن كان الميت ينتقل إلى خير ؛ لأن الحي يلتحق به ،ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات .

11_ الذكر طمأنينة للقلب :

قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(الرعد :28).

(وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.

( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ  للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك.

وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين والعلم، وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة وتضاد الأحكام.

(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا){ النساء:82} وهذا إنما يعرفه من خبر كتاب الله وتدبره، وتدبر غيره من أنواع العلوم، فإنه يجد بينها وبينه فرقًا عظيمًا.

12_ الذكر صدقة من لا يستطيع الصدقة :

فقد بين النبيr أن الصدقة ليست قاصرة على المال فقط بل شاملة لكل ألوان البر  من ذكر ،وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وجماع الرجل لزوجته.

فعَنْ أَبِى ذَرٍّ tأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ rقَالُوا لِلنَّبِىِّ r:يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: « أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ: « أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ ».

الدثور ـ بضم الدال ـ جمع دَثر بفتحها ،وهو المال الكثير.

قال القاضي عياض : يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجرًا كما للصدقة أجر وأن هذه

الطاعات تماثل الصدقات في الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام

 وقيل : معناه أنها صدقة على نفسه .

13_ زيادة قرب من الخالق سبحانه وتعالى ومحبته:

فعَنْ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ مُوسَى : “أَيْ رَبِّ أَقَرِيبٌ أَنْتَ فَأُنَاجِيَك أَمْ بَعِيدٌ فَأُنَادِيَك ؟” قَالَ :” يَا مُوسَى ، أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي ، قَالَ ، يَا رَبِ ، فَإِنَّا نَكُونُ مِنَ الْحَالِ عَلَى حَالٍ نُعَظِّمُك ، أَوْ نُجِلُّك أَنْ نَذْكُرَك عَلَيْهَا ، قَالَ : وَمَا هِيَ ، قَالَ : الْجَنَابَةُ وَالْغَائِطُ ، قَالَ : يَا مُوسَى ، اذْكُرْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ”.

لأنه بمحبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه بمعونته ونصرته وتوفيقه(.

فيكون علامة المحب لله كثرة ذكره له عز وجل ؛ لأنه قيل : من أحب شيئًا أكثر ذكره ؛لأن من أحب الله تعالى أحب أن يكون معه وعنده ، وكونه معه وعنده ذكره إياه.

14_ الذاكر من المستظلين بظل عرش الرحمن يوم القيامة :

 فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ tعَنِ النَّبِىِّ rقَالَ: « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ ،وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ،وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ ،وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ،وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ ،وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ » .

خاليًا يعني : من الخنق ، ومن الالتفات إلى غير الله .

و” فيض العين ” : بكاؤها . وهو على حسب حال الذاكر ، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى ، فإن انكشف له غضبه ، فبكاؤه عن خوف ، وإن انكشف له جماله وجلاله ، فبكاؤه عن محبة وشوق ، وهكذا يتلوَّن الذاكر بتلوُّن ما يذكر من الأسماء والصفات .

15_ وقاية من الشيطان :

فعن الحارث الأشعري tأن النبي r قالَ: “إِنّ الله أَمَرَ يَحْيىَ بنَ زَكَرِيّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنّهُ كَادَ أَنْ يبطئ بِهَا. فقالَ عِيسَى: إِنّ الله أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بهَا. فَإِمّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقَالَ يَحْيىَ: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بي أَوْ أُعَذّبَ. فَجَمَعَ النّاسَ في بَيْتِ المَقْدِسِ فَامْتَلأ المَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشّرَفِ، فَقَالَ: إِنّ الله أَمَرَني بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنّ وآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنّ: أَوّلَهُنّ أَنْ تَعْبُدُوا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًَا. وَإِنّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِالله كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذِهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدّ إِلَىّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدّي إلى غَيْر سَيّدِهِ. فَأَيّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَإِنّ الله أَمَرَكُمْ بِالصّلاَةِ فَإِذَا صَلَيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوا فَإِنّ الله يَنْصُبُ وَجْهَهَ لِوَجْهِ عَبْدِهِ في صَلاَتِهِ مَالَمْ يَلْتَفِتْ. وَآمَرَكُمْ بالصّيَامِ، فَإِنّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثلِ رَجُلِ في عصَابَةٍ مَعَهُ صُرّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلّهُمُ يُعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا وَإِنّ رِيحَ الصّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ. وَآمَرَكُمْ بالصّدَقَةِ، فَإِنّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إلى عُنْقِهِ وَقَدّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَفْدِيِه مِنْكُمْ بالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ فَفَدا نَفْسَهُ مِنْهُمْ. وآمَرَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا الله فَإِنّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوّ في أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ العَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشّيْطَانِ إِلاّ بِذِكْرِ الله. قالَ النبيّ r: “وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ الله أَمَرَنِي بِهِنّ: السّمْعِ وَالطَاعَةِ وَالْجِهَاد وَالْهِجْرَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيْدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ إِلاّ أَنْ يرَجِعَ. وَمَنْ ادّعَى دَعْوَى الْجَاهِلّيةِ، فَإِنّهُ مِنْ جُثَى جَهَنّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولُ الله وَإِنْ صَلّى وَصَامَ؟ فَقَالَ وَإِنْ صَلّى وَصَامَ. فَادْعُوا بِدَعْوَى الله الّذِي سَمَاكُم المُسْلِمِينَ المُؤْمِنينَ عِبَادَ الله” .