
بقلم الشيخ : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
حالة الطوارئ القصوى كان يفرضها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على نفسه؛ ليخلوا بربه ونفسه في العشر الأواخر من رمضان، فكان إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، وشد مئزره أي لا يقرب النساء، وأحيا ليله بالقرآن والذكر والصلاة والدعاء، وأيقظ أهله ليدركوا خيرات هذه الليالي، ويدركوا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وليكون لهم قَدر ومكانة يوم القيامة؛ لأن من فاتته هذه الليلة فهو المحروم حقيقة، كما في الحديث عن ليلة القدر: “من حُرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم”. وحث ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الناس جميعاً على تحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، خاصة الليالي الوترية منها.
وبعض الناس يحرص على الاعتكاف في مسجد بعينه أو خلف قارئ بعينه، أو يعتكف في مكة أو المدينة، وكل هذا حسن، لكن الأهم أن تخلوا بربك وأن تخلوا بنفسك، فالخلوة بالنفس أهم من الطعام ومن الشراب، وإذا لم تستطع أن تخلو بنفسك فاترك الاعتكاف، كما تركه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما اجتمعن نساؤه حوله، وعكروا عليه صفو خلوته.
المحللون في (الماتشات) والمباريات يقولون الأهم من المباريات هو الاستراحة بين الشوطين، لماذا خسرنا؟ لماذا تعادلنا؟ كيف نعوض الخسارة؟ كيف نعزز المكسب؟ ربع ساعه تُغير نتائج المباريات، من خلال جلسة الفريق مع نفسه، وكذلك الجلسة السنوية مع النفس تغير مجريات الحياة، وتعطيه بصيرة يعرف بها تفاصيل نفسه وطاقتها العظيمة الكامنة، والإنسان لا يعرف من تفاصيل نفسه وأسرارها إلا القليل جدا، ففتش وابحث عن أسرار نفسك وتعرف على خيرها لتنميه، وابحث عن شرها لتتخلص منه.
وأعظم القطيعة قطيعة النفس وترك مجالستها ومصارحتها، والحديث الطويل معها، ومثل قاطع نفسه كمثل صاحب سيارة لا يهتم بها ولا يغسلها ولا ينظفها حتى تراكم الغبار والتراب على زجاجها، حتى تصبح رؤيته غير جيدة أو منعدمة؛ فيضل الطريق أوقع في الحوادث والمهالك.
وكذلك من لا يجلس مع نفسه لا تتضح له الرؤيا في هذه الحياة؛ فيتخبط فيها؛ حتى يصبح على قلبه العمى والران، فيضل عن الصراط المستقيم؛ ولهذا لما ترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الاعتكاف في رمضان بسبب نسائه، خلا بنفسه بعدها في العشر الأوائل من شوال؛ لأن هذه الخلوة هي وجبة إيمانية دسمة تكفي الإنسان طيلة العام، وتؤهله للتقدم والرفعة والقدر والمكانة في الدنيا والآخرة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما تأهل للرسالة والنبوة إلا في مدرسة الخلوة، حيث حُبب الله إليه الخلاء في غار حراء قبل البعثة.
ومن قبله الخليل عليه السلام كان إذا جن عليه الليل بدأ خلوته بربه، حتى عرف ربه بفطرته، وأصبح بمفرده{أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ}[النحل: 120]، ولما حقق المقصود من الاعتكاف ما أمره الله بالاعتكاف وإنما أمره بتهيئة الأجواء للمعتكفين، وتطهير بيوت الله: {لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}[البقرة: 125].
مجلة روح الاسلام فيض المعارف