«فَتْحُ الْمَلِكِ الْعَلِيِّ بِبَيَانِ الْمَقْصُودِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ: سَتَكُونُ فِتْنَةٌ أَسْلَمُ النَّاسِ فِيهَا الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ».


بقلم الدكتور : محمد عبدالحليم المعصراوى


الثابت عند علماء المسلمين أنَّ الجُنْدَ الغَرْبِيَّ الذي أخبرت السُّنَّة النبويَّة المطهَّرة بأنَّه يكون أسلم الناس زمن الفتن هو الجندي المصري، وقد تناقل ذلك جمعٌ غفيرٌ من العلماء والحفَّاظ والمؤرِّخين، وأيَّده الواقع عبر العصور والأزمان.

فقد أخرج (الإمام البخاري في التاريخ الكبير)، و (الإمام الحاكم في المستدرك)، و (ابن عساكر في تاريخ دمشق) ، عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح، عن عُمَيْرَة بن عبد الله المعافري، عن أبيه، عن عمرو بن الحَمِق الخُزَاعيِّ رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، أَسْلَمُ النَّاسِ فِيهَا ـ أَوْ قَالَ: لَخَيْرُ النَّاسِ فِيهَا ـ الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ».
قال راوي الحديث: فَلِذَلِكَ قَدِمْتُ مِصْرَ.

وقد حكم الإمام الحاكم على الحديث بقوله: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، ووافقه الحافظ الذهبي في تعليقه على المستدرك فقال: «صَحِيحٌ».

وقد فهم غير واحدٍ من العلماء أنَّ المراد بـ الجند الغربي جندُ مصر؛ لأنَّ مصر كانت تمثِّل الجناح الغربي لدار الإسلام في العصور الأولى، وكانت تُعرف في اصطلاح أهل ذلك الزمان بأنها ثغرٌ من ثغور الإسلام الغربية، كما أنَّ جندها كانوا يُعرفون في كتب التاريخ والفتوح بـ جند مصر.

وقد أشار إلى هذا المعنى عددٌ من أهل العلم والمؤرخين، مستندين إلى واقع الجغرافيا السياسية في صدر الإسلام؛ إذ كانت مصر بالنسبة إلى المدينة المنورة وما حولها من حواضر الإسلام تقع في الجهة الغربية، فكان يُطلق على جندها الجند الغربي.

كما أنَّ التاريخ الإسلامي يشهد بما عُرف عن جند مصر من الثبات في مواطن الفتن، والقيام بحراسة ثغور المسلمين، والمشاركة في نصرة الإسلام في ميادين كثيرة عبر القرون، الأمر الذي وافق ما أخبرت به السنة النبوية من كونهم أسلم الناس في الفتن.

ومن هنا قرَّر جمعٌ من العلماء أنَّ الحديث يحمل بشارةً لجند مصر بما يكون لهم من السلامة من الانخراط في الفتن، والقيام بحراسة الدين والديار، وهو ما يظهر صدقه في صفحات التاريخ الإسلامي، حيث ظلَّت مصر وجندها عبر عصور طويلة سندًا للأمة، وحصنًا منيعًا في مواجهة الأخطار.

وبهذا يتبيَّن أنَّ المراد بقول النبي ﷺ: «أَسْلَمُ النَّاسِ فِيهَا الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ» هم جند مصر، كما فهمه جمعٌ من أهل العلم، وكما يشهد له سياق التاريخ وواقع الأمة عبر العصور.

اللهم احفظ مصر وأهلها على الدوام