الفصل الثاني في ضيافة الودود.. حين يخجلُ الحنينُ من جفاءِ الأنين
8 مارس، 2026
بستان الصالحين

بقلم / أ : دينا عبدالفتاح
باحثة فى العلوم الانسانية والتصوف الاسلامى
يا صاحبي.. هل وقفت يوماً تراقبُ أماً تضمُّ طفلها العاصي؟ انظر إليها وهي تمسحُ على رأسه بِيَدٍ رقيقة، رغم أنه كسرَ قلبها بالأمس.. انظر إلى عينيها، لا ترى فيهما غضباً، بل ترى لهفةً تقول: “عد إليَّ فحِجري مأواك”.
تأمل هذا المشهد ملياً.. ثم اسأل روحك: مَن الذي غرس هذا الحنان في قلبها؟ إنه الله.. الذي جَعلَ في الأرض جزءاً واحداً من الرحمة تتراحمُ به الوحوشُ في القفار، والأمهاتُ في البيوت. فإذا كان هذا حالُ “خلقه” بك، فكيف بـ “خالقك”؟ هو أرحمُ بك من أمك التي ولدتك، وأرأفُ بحالك من نفسك التي بين جنبيك.
حتى مع مَن قال: “أنا ربكم الأعلى”
قف قليلاً عند عتبة هذه الآية وتذوّق حلاوة الصبر الإلهي..
فرعون.. ذلك الذي تجبّر وطغى، ونادي في الناس بوقاحة الكفر: “أنا ربكم الأعلى”! هل أرسل الله إليه صاعقةً تحرقه في لحظتها؟ لا.. بل نادى كليمَهُ موسى وهارون، وأوصاهما وصيةً تذيبُ القلوب المتحجرة: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
أيُّ حبٍّ هذا؟! وأيُّ حلمٍ يمتدُّ لِمن يبارزُ الله بالعداء؟
يقول لهما: “قولا له قولاً ليناً”.. كأنه سبحانه يقول: “لا تقْسُوَا عليه فلعله يرجعُ إليّ”.
فيا مَن أثقلتكَ الذنوب، ويا مَن تواريتَ عن الأنظار خجلاً من خطاياك.. إذا كان هذا حِلمُه بمن ادّعى الألوهية، فكيف سيكون شوقُه إليك وأنت توحّده؟ وكيف سيكون استقبالُه لك وأنت تعترفُ بفقرك وتقول: “يا رب”؟
تمرين امسك ورقة وقلم واكتب اعتراف الى الله بفقرك وجهلك وبكرمه وبوده وبمحبته
إلهي.. يا مَن لا يَردُّ الوافدين وإن كَثُرت زلاتُهم، ويا مَن يَقْبلُ التائبين وإن بَلغت عنانَ السماءِ خَطاياهم..
ها أنذا، جِئتُكَ أجرُّ أذيالَ الخيبةِ من نفسي، وأسحبُ خُطايَ إليكَ في تثاقلٍ كأني مقيد الى الارض بسلاسل من حديد . قلبي يرتجفُ خلفَ ضلوعي؛ أيُطردُ من كان مثلي؟ أيكونُ تقصيري قد بَرّدَ حرارةَ الوصلِ بيني وبينك، حتى غدوتُ كالغريبِ على بابِكَ الذي لا يُغلق؟
إلهي..
هذه نفسي، بكسرِها وعجزِها ومرضِها، أضعُها بين يديك.. هي خَصمي وحِملي، فإليك أشكوها. اعترفتُ بضعفي حتى لم يبقَ فيّ موضعٌ للقوة، وأقررتُ بانكساري حتى استغاثَ الصبرُ مني.. فليْسَ لي من دُونِكَ من كافية، وليس لي غيرُ بابكَ من مَلاذ.
سيدي..
إنْ طردتَني.. فبأيِّ أرضٍ أستقر؟ وإنْ أبعدتَني.. فأيُّ شمسٍ تُشرقُ لقلبي بعدك؟
يا مَن نَثَرْتَ الرحمةَ في فؤادِ كلِّ أُمٍّ حتى باتت تفتدي طفلها بالروح.. كيف بـ “رحمتِكَ” أنتَ التي خَلقتَها؟ أنتَ الذي لا تَعْجلُ بالعقاب، ولا تَهتكُ الستر، ولا تمنعُ الرزقَ عمّن نسيَكَ.. فكيف بمَن جاءكَ يطرقُ البابَ بدموعِ الندم؟
يا مَن أمرتَ نبيَّيْكَ باللّينِ مع “فرعون” حين طغى.. قلتَ لهما: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا».. واشوقاهُ إليك! إذا كان هذا حِلمُكَ بفرعون الذي قال: “أنا ربكم الأعلى”.. فكيف بحلمِكَ بعبدٍ منكسرٍ يقفُ في ظلامِ الليلِ يهمسُ: “يا ربي.. أنتَ الأعلى، وأنا الأدنى.. أنت القويُّ، وأنا الضعيف”؟
يا رب.. أشكو إليك نَفساً أمارةً، تَهوى الذنبَ وتخافُ البُعد. ها قد مددتُ إليك يدي “شبراً”، تسبقها دمعةٌ حرّى، وطمعي لا يحدهُ حدّ.. أن تتقرّبَ إليّ “زراعا
“، وتغمرني بالرضا، وتنتشلني من تِيهي إلى رحابِ حبّك الذي لا يزول.”
يقول العارفون: “إذا أطلق الله لسانك بالطلب، فاعلم أنه يريد أن يعطيك، وإذا أجرى دمعك بالندم، فاعلم أنه قد غفر لك