الحَمدُ للهِ الذي جَعَلَ اختلافَ الألسنةِ والألوانِ آيةً من آياتِ صُنْعِهِ، وجَعَلَ تباينَ العقولِ سبيلاً لِعِمَارةِ كَوْنِهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، الذي بُعِثَ مُتمِّماً لمكارمِ الأخلاقِ، فكانَ نِبْراساً في الرَّحمةِ والجمعِ لا الفُرقةِ والاشتقاقِ، وعلى آلِ بيتِهِ الطاهرينَ، وصحابتِهِ الغُرِّ الميامينَ، ومَنْ تَبِعَ هَدْيَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.
أيُّها السادةُ الكرامُ..
لقد جَبَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ الخَلْقَ على التباينِ، فليسَ الناسُ نُسخةً واحدةً في التفكيرِ أو التصوُّرِ، وهذا الاختلافُ في أصلِهِ مَنْحَةٌ لا مِحْنَةٌ، وسَعَةٌ لا ضِيقٌ، لولا أنَّ النفوسَ أحياناً تضيقُ بما رَحُبَ، فتجعلُ من مَواطِنِ الاجتهادِ مَعاركَ للخصومةِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في مُحكمِ التنزيلِ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: 118).
إنَّ رُقِيَّ التعاملِ عندَ الاختلافِ هو الميزانُ الذي يظهرُ فيهِ جَوْهَرُ الإنسانِ وعُمْقُ صِلَتِهِ بخالقِهِ عزَّ وجلَّ؛ فالمؤمنُ الحقُّ هو مَنْ يرى في أخيهِ سَكَناً وإنْ خالَفَهُ، ويَحْفَظُ لَهُ وُدَّهُ وإنْ بايَنَهُ.
أيُّها السادةُ الكرامُ..
تأملوا معي في مدرسةِ النبوةِ، فلقد رَوَى الإمامُ البخاريُّ في صحيحِهِ عن سيِّدِنا عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما، أنَّ سيِّدَنا النبيَّ ﷺ قالَ يومَ الأحزابِ: “لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلا في بَنِي قُرَيْظَةَ”. فأدركَ بعضُ الصحابةِ (رضوانُ اللهِ عليهم) العصرَ في الطريقِ، فقالَ بعضُهم: لا نُصلي حتى نأتيَها، وقالَ بعضُهم: بل نُصلي، لَمْ يُرِدْ مِنا ذلكَ (أيْ أرادَ الاستعجالَ). فذُكِرَ ذلكَ لسيِّدِنا النبيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحداً منهم.
يا لَلَّهِ! ما أجملَ هذا الهَدْيَ النبويَّ! فَلَمْ يُخَطِّئْ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ أحداً، ولم يَجعلْ من فَهْمِ النصِّ مَثاراً للنزاعِ، بل استوعبَ الجميعَ في مِظَلَّةِ القبولِ.
وهكذا كانَ حالُ ساداتِنا الصحابةِ والتابعينَ وأهلِ البصائرِ؛ فقد كانَ سَيِّدُنا الإمامُ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ يقولُ: “رأيي صوابٌ يحتملُ الخطأَ، ورأيُ غيري خطأٌ يحتملُ الصوابَ”. ويُروى أنَّهُ ناظَرَ يوماً أحدَ إخوانِهِ، ثمَّ لَقِيَهُ بَعْدَها فأخَذَ بيدِهِ وقالَ: “يا أبا مُوسى، ألا يَسْتَقِيمُ أنْ نكونَ إخواناً وإنْ لَمْ نَتَّفِقْ في مَسألةٍ؟!”.
وهذا لَعَمْرِي هو مَحضُ الصَّفاءِ، ونُورُ البصيرةِ التي تَرى الخَلْقَ بعينِ الحقِّ، فلا يَحْمِلُ القلبُ غِلاًّ على مُخالِفٍ، ولا لسانُهُ سُوءاً على مُجتهدٍ.