راتب الزوجة العاملة … بين المشاركة والمصادرة

بقلم : الدكتور محمد جمال أبو سنينة
مدير المركز القانوني لفض النزاعات
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على معلم البشرية الخير؛ وبعد:

قبل أن تخرج المرأة للعمل كانت الخلافات الزوجية محدودة ومعروفة، وعندما خرجت للعمل تفاقمت المشكلات، وازدادت الخلافات، وكان أكثرها صخباً وضجيجاً مشكلة راتبها الشهري، ما دامت تقضي جزءاً من وقتها خارج المنزل للعمل، وتنوعت القضايا والحوادث في هذه المسألة، بين أزواج يطالبون الزوجات العاملات بضرورة الإسهام في نفقات البيت؛ نظراً لتقصيرهن في واجباتهن الزوجية، وزوجات يطالبن الأزواج بضرورة المساعدة في أعمال المنزل وتدبير شؤون الصغار؛ نظراً لإسهامهن في الإنفاق على الأولاد والمنزل.

لا شك بأن الزواج بموظفة عاملة إغراء لكثير من الشباب، خاصة أصحاب الدخل المحدود، ولا يحتاج المرء إلى فطنة ليدرك أنّ سوق الزواج من الموظفات رائج جداً، فأسهُم الموظفة والجامعية أعلى من غيرها، لكن راتب الزوجة يعدُّ في بعض الحالات وبالاً عليها وأحد مصادر الشقاء في حياتها الأسرية، ومن المؤسف أن نجد بعض الأزواج ممن رقّ دينه وقلّت مروءته يأكل مال زوجته بغير حق، ويسلك في ذلك سبلاً شتّى فقد يهددها بالطلاق إن لم تعطه، أو يتملق ويظهر الحاجة بين يديها، وقد يلجأ إلى الاستدانة منها مع تبييت النيّة بعدم الوفاء، وقد يشركها معه في مشروع ما دون كتابة عقد بينهما، ثم يسلُّ يدها منه، وينفرد بالمشروع وحده، إلى غير ذلك من ألوان الأكل لمال الزوجة.

يمكن تصنيف نظرة الراغبين في الزواج من المرأة العاملة إلى عدة تصنيفات: فهناك من يرغب في الزواج من موظفة طمعاً في مالها أو راتبها، ويعتبرها مصدر دخل ثابت يرفع عن كاهله الكثير من الأعباء فيلح عليها بالمشاركة في كل مصروفات المنزل، وهذا الصنف يضم شريحة كبيرة من الذين يعملون في وظائف ذات رواتب متدنية. وهناك من يستغل راتب الزوجة لتحقيق أحلامه الشخصية، كشراء سيارة فارهة، لا يستطيع أن يشتريها من راتبه أو شراء مسكن خاص به، أو غير ذلك من أحلامه التي لا تنتهي. أما الصنف الثالث وهو قليل فيؤمن بضرورة مساهمة المرأة في المجتمع لتحقيق ذاتها والإفادة من قدراتها في نفع الآخرين، لاسيما إذا كانت متخصصة في مجالات يحتاج إليها المجتمع.

نعم للتعاون: صور الاستغلال لرواتب الزوجات من بعض الأزواج لا يعكس بالضرورة الوجه المشرق للعلاقات الاجتماعية المتينة التي يفخر بها مجتمعنا الإسلامي، والمرتكزة على قوامة الرجل وشعوره بالمسؤولية نحو المرأة: أماً وزوجة وأختاً، حتى لو كنَّ ثريات، فالزوج في الإسلام هو المسؤول عن الإنفاق على الأسرة، حتى ولو كانت الزوجة غنيّة وتملك الملايين.

إن الكثير من الأزواج الذين لديهم زوجات عاملات بينهم اتفاق وتعاون وتكاتف واستطاعوا بناء حياتهم سويّاً في سعادة ووئام، فمحبة الزوجة لزوجها تطغى على الأمور المادية، وهناك بعض الزوجات كن يعملن قبل الزواج وعند الزواج اشترط عليهن الزوج ترك العمل فتركنه عن طيب خاطر منهن، فرضى الزوج ومصلحة البيت أولى.

إن الراتب الذي تتقاضاه الزوجة مقابل عملها حق لها لا يجوز الأخذ منه سواء لزوجها أو لغيره، فالراتب حق للزوجة، فإذا أذن الزوج لزوجته بالعمل فالراتب حق لها لا يجوز أن يأخذه لا جميعه ولا بعضه إلا برضاها، أما إذا أذن الزوج لزوجته بالعمل واشترط أن له نصف الراتب أو ربعه مثلاً ورضيت بهذا الشرط فإنه يلزمها أن تعطيه القدر المشترط بينهما.

وهنا أوجه نصحي لكل زوجين على التعاون والتكاتف فيما بينهما وألا تكون النظرة المادية السطحية هي الطاغية فالحياة الزوجية أكبر وأعظم، وعلى الزوج أن يسعى جاهداً في أسباب الرزق وأن يعلم أنه المخاطب بذلك شرعاً فإن أعطته زوجته العاملة شيئاً من راتبها فحسن، وإن لم تعطه فينبغي أن يكون أكبر من أن ينزل لمستوى مجادلة الزوجة والخصام معها لأجل عرض دنيوي.

تدابير وقائية: إن القول بأن الثقة المتبادلة بين الزوجين والمحبة بينهما أكبر من أي توثيق أو إشهاد هي عبارة حق يراد به باطل، إذ لا ينقص من حق الزوج ولا من كرامته أن يزود زوجته بما يضمن لها حقها، والأصل في العقود والمعاملات المالية بين الناس كتابتها، حفظاً للحقوق من الضياع، ومنعاً لحدوث الشقاق والمنازعات.

قليل من الفراسة: ليس مطلوباً من المرأة أن تكون محامية أو سيدة أعمال، كي تحمي حقوقها فالمسألة أسهل من ذلك بكثير فقليل من الفراسة والتفكير المنطقي هما كل ما يلزم، أما الثقة العمياء مرفوضة سواء أكانت بداعي حسن النية، أم الخجل أم الكسل أم الجهل، وما إلى ذلك من مبررات “واهية” قد تخدع بها المرأة نفسها .

أن الزوج هو كل شيء بالنسبة إلى زوجته، ولذا لا ينبغي أن يفهم من كلامها أن جميع الرجال ليسوا أهلاً للثقة؛ بل على العكس، فإن معظمهم كذلك، ولكن المشكلات المادية تظل وراء كثير من الخلافات الأسرية وحالات الانفصال والطلاق والهجر .

في السراء والضراء: إن الأصل في الأسرة أن تقوم على التكامل بين الزوجين، والإسهام بينهما في السراء والضراء، فالزواج شراكة إنسانية في أسمى معانيها، هذه الشراكة تقوم على التعاون والرحمة والإيثار والتضحية بين طرفي الزواج، أما إذا كان بينهما الأنانية، وتسلطت المصلحة المادية على المصلحة العامة للأسرة فسدت العلاقات الزوجية واضطربت الأسرة وخرَّجت للمجتمع أبناءً وفتياتٍ غير أسوياء، وما دامت تعمل فلابد أن يعود ناتج أو بعض ناتج عملها (المرتب) للأسرة، ويكون إسهامها في نفقات البيت على حسب درجة ارتباط الزوجة بالأسرة، ورغبتها في الارتقاء والنهوض بها في مختلف أوجه الحياة، وهذا الإسهام يكون تعويضاً عن التقصير الذي ينتج من غيابها لساعات طويلة خارج البيت التي هي حق الزوج والأسرة.

الثقة والفضل: الأصل في إدارة شؤون الأسرة سواءً في الاقتصاديات أم في غير ذلك، إنما يقوم على الثقة والفضل، قال الله تعالى: ( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) البقرة: 237، وفي إطار هذه الثقة، وفي ظلال هذا الفضل نتوقع من الزوجة أن تساهم بمقدار معقول تقدّره هي حسب الظروف باتفاق مع الزوج، وإذا كنا نرى أن العمل المناسب الذي لا يؤثر على حق البيت والأسرة هو مكسب حقيقي للمرأة وللأسرة وللمجتمع؛ لأننا نرفض أن يكون هذا العمل مدخلاً لإحداث الخلل في بنية الأسرة، ويحدث هذا الخلل حين يغيب الحوار بين الزوجين حول مسائل الحياة ومنها النفقة، وغالبا فإن الرجل الكريم القادر لا يطلب من زوجته مالاً ينفق منه على البيت، وكذلك فإن المرأة الكريمة القادرة لا تنتظر تنبيهاً لتساهم في نفقات الأسرة؛ لأن هذا الكيان المشترك الذي يتكون من الأب والأم والأطفال صغروا أم كبروا مسؤولية مشتركة، تقوم فيها المرأة بالدور الأكبر في الرعاية والتربية، وتساعد ببعض المال بحسب الظروف والأحوال، مع أن الأصل أن الرجل هو المسؤول عن الإنفاق بالكامل على قدر دخله ولو كانت زوجته ذات مال.

وبإمعانِ النظر في النصوص الشرعية نجد أنّ الإسلام حمى مال الزوجة؛ فلم يجعل ليد الزوج عليه من سبيل؛ فأبقى لها حريّة التصرُّف في مالها إذا كانت عاقلة رشيدة، وليس للزوج حق في أن يتناول منه درهماً واحداً إلا عن طيب نفسها، وليس له حق في منعها من أن تتصرّف في مالها على وجه المعاوضة كالبيع والقرض والإجارة ونحوها، وليس له الحق في منعها من أن تنفق منه أو تنفقه على وجه التبرع كالصدقة والهبة.

ولا يعني ذلك أن تقبض المرأة يدها عن إعانة زوجها، كما لا يعني تصرُّفها في مالها أن تدع استشارة الزوج والاستنارة برأيه؛ بل اللائق بها أن تستشيره في شؤونها، وتعينه على نوائب الدهر خاصة في هذا العصر حيث خرجت المرأة للعمل، مما يكلّف الزوج الكثير.

فعليها أن تسدد وتقارب محاولة إرضاء زوجها مقابل تحمله لبعض التقصير منها في أداء حقوقها وإهمال أبنائها وبيتها. فله عليها حق من مالها وخصوصاً إذا كان ذا دخل محدود، لذا يمكنها أن تساهم في نفقة البيت وتعاون زوجها وتحمل عنه جزء من الأعباء الاقتصادية للأسرة. فذلك مما ينمّي الأُلفة ويرسِّخ دعائم المودَّة.

التوجيه الوقائي: ولا بد من الإشارة إلى أنه إذا وصلت الأمور بين بعض الأزواج إلى حد كبير من الخلاف والشقاق حول مسألة الإنفاق؛ فيجب أن يكون هناك خطة للعلاج على المدى الطويل، تشترك فيها وسائل الإعلام، والمدرسة؛ وكافة مؤسسات المجتمع المدني بحيث تكثف التوعية من خلال هذه الوسائل على قيم الترابط والتماسك والتراحم والتعارف والإيثار والتضحية، فلا مانع للمرأة من العمل، وأن يكون لها دخل خاص بها، وأن تكون ذمتها المالية مستقلة عن زوجها، ولكن الإسهام في نفقات بيت الزوجية يعمل على بقاء الأسرة على قيم المودَّة والتراحم والتعاون والحب.

وتقع على المؤسسات المختلفة مسؤولية كبيرة في التوعية لتعريف الأزواج بحقوق كل منهم تجاه الآخر، وتبصيرهم بمسؤولياتهم الزوجية، مع ضرورة وضع برنامج توجيه وتوعية وقائي خاصة في المرحلة النهائية من الثانوية العامة للبنين والبنات ليدكوا دورهم بحقيقة العلاقة الزوجية، وكيفية مواجهة الكثير من المشكلات بمختلف أنواعها ومنها كيفية التعامل مع رواتب الزوجة التي أصبحت من المشاكل التي تهدد استقرار الأسرة.