بقلم: د. مصطفى طاهر رضوان عضو هيئة التدريس في قسم العقيدة والفلسفة جامعة الأزهر الشريف
انتشرت في الآونة الأخيرة مقاطع كثيرة لأشخاص يتحدثون عن تنبؤات وأحداث مستقبلية، ويصل الأمر ببعضهم إلى تحديد تواريخ وتفاصيل دقيقة لما سيقع، والأدهى من ذلك أن كثيراً من الناس يصدقون هذا الكلام ويتداولونه، وبعض هؤلاء المتنبئين يلبس كلامه لبوس الأحاديث النبوية، خصوصاً تلك التي تتحدث عن الفتن والملاحم ونهاية الزمان.
وهنا يثور السؤال: ما حقيقة هذه الأحاديث؟ وكيف نتعامل معها؟ وهل يجوز إسقاطها على ما يجري اليوم؟
والإجابة بإيجاز كبير:
أولاً: أوضح القرآن الكريم موقفه من الفتن بشكل عام، يقول الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25].
فالقرآن تحدث عن الفتن حديثاً عاماً يشمل كل زمان ومكان، وأمر بالوقاية منها، وعلمنا كيف نتعامل معها، دون الدخول في تفاصيل زمنية أو توقعات مستقبلية.
ثانياً: معظم الأحاديث التي تُتداول باسم “أحاديث الفتن” والمتعلقة بأحداث آخر الزمان، وخراب مدن، وهلاك أمم بعينها، هي في الحقيقة أحاديث موضوعة ومكذوبة، أُلِّفت في ظروف سياسية واجتماعية معينة، لا يتسع المقام هنا لشرحها تفصيلاً.
وقد اطلعتُ بنفسي على كتب ومخطوطات ورد فيها اعترافات لبعض المشتغلين بالحديث في زمن معاوية وزمن نشأة الفرق، يقر أصحابها بأنهم كانوا يأخذون الإسناد الصحيح المتصل ويركبون عليه متناً مختلقا من عند أنفسهم، لنصرة قضاياهم السياسية وتوجهاتهم العقدية، وهذه قضية خطيرة تحتاج إلى عناية جادة من أساتذتنا المتخصصين في علوم الحديث وعلم العقيدة جنبا إلى جنب.
كما أنه من هذه الأحاديث المكذوبة ما يدل متنه نفسه على وضعه، لأن أسلوبه لا يشبه كلام النبي ﷺ، فالقارئ المتمرس بالحديث يستشعر الأسلوب النبوي، ويعرف ما يليق بنطق الرسول وما لا يليق به، وهناك أحاديث كثيرة سندها متصل ومتنها فيه إشكالات كبيرة من ناحية هل هذا من كلام النبي أن مختلق؟
وهناك أحاديث حكم كبار العلماء بأنها لا أصل لها، ومنهم يحيى بن معين والإمام أحمد وغيرهما.
كما وُجدت كتب كاملة أُلفت في “الملاحم والمغازي”، ودُس كثير من مادتها في بعض التفاسير، وهي في الحقيقة مختلقة ومكذوبة، ولم ترد في كتب السنة الصحيحة، وبعضها مأخوذ من الإسرائيليات.
—
ثالثاً: وأما عن الأحاديث الصحيحة في الفتن
فنعم، وردت أحاديث صحيحة في كتب السنة المعتمدة: كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومسند أحمد وموطأ مالك وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم والمسانيد المعروفة.
لكن الإشكال ليس في صحة تلك الأحاديث، وإنما في طريقة فهمها؛ إذ إن كثيراً من الناس لم يجمعوا هذه الأحاديث بعضها إلى بعض، فأخذوا منها ما يوحي بأن الإسلام في إدبار، والكفر في إقبال، وأن الخير قد انتهى، والحق لم يعد له أهل.
وهذا الفهم باطل؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فلماذا يأمر بالغرس مع قيام الساعة؟ لأنه يريد من المسلم أن يظل عاملاً منتجاً إلى آخر لحظة من حياته.
وقال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] أي حتى يأتيك الموت، فالمطلوب من المسلم أن يعمل لدينه إلى أن يلقى الله.
—
رابعاً: وأما عن خطر فهم أحاديث الفتن على وجه اليأس
فلا يجوز أن تُفهم أحاديث الفتن فهماً يولد القنوط واليأس؛ لأن القرآن يقرر أن: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56]. فاليأس من لوازم الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال.
ولا يصح أن نقول: نحن في آخر الزمان وانتهى الأمر؛ لأن الله تعالى يقول: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ} [الأحزاب:63]. والقرب أمر نسبي لا يعلمه البشر، فقد يكون بعد عشرات أو مئات الآلاف من السنين.
وما نعلمه أن عمر الحياة على هذا الكوكب يُقدَّر بملايين السنين، ولذلك فإن قرب النهاية قد يكون بعد عشرات أو مئات الآلاف من السنين، والله وحده أعلم بذلك، ولا يصح لنا أن نخوض في هذا الغيب بغير علم. ونحن في الأصل لا نعرف متى بدأت الدنيا حتى نعرف متى تنتهي، فالقرب أمر نسبي: قريب كم ألف سنة؟ لا نعلم. ولهذا لا ينبغي الجزم بأن الساعة قد أوشكت.
نعم، ظهرت علامات الساعة الصغرى، وأولها بعثة النبي ﷺ؛ ولكن يبقى أمر الساعة عند الله سبحانه وتعالى.
—
خامسا: الأحاديث بين التخويف والبشارة:
كثرت الأحاديث التي تتحدث عن قيام الساعة، وخروج الدجال أو الدجالين، وعن الهرج والمرج وكثرة القتل وسيل الدماء، لكن في المقابل وردت أحاديث مبشِّرة، منها قوله ﷺ: «ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين». وبيت المدر هو بيت الحضر المبني بالحجر، وبيت الوبر هو بيت البادية المصنوع من شعر الإبل، أي أن الإسلام يدخل البادية والحاضرة معاً، بعزّ عزيز أو بذل ذليل، يعز الله به الإسلام.
وقد ظهر الإسلام على اليهودية والنصرانية، وقضى على المجوسية، لكنه لم يقضِ تماماً على النصرانية، وبقيت البوذية والهندوسية وغيرها من الديانات الوثنية في آسيا وإفريقيا. ومع ذلك جاءت النصوص لتؤكد أن للإسلام انتشاراً عالمياً.
ومن البشائر أيضاً فتح القسطنطينية؛ إذ سُئل النبي ﷺ: أي المدينتين تُفتح أولاً: رومية أم القسطنطينية؟ فقال: مدينة هرقل، أي القسطنطينية، وقد فُتحت، وبقي فتح رومية (روما). ومعنى ذلك أن الإسلام سيعود إلى أوروبا مرة أخرى، وقد دخلها من قبل ثم أُخرج منها. فلماذا تُترك هذه الأحاديث المبشِّرة، ويُركَّز فقط على أحاديث الدم والخراب؟
—
سادسا: توظيف الأحاديث في الواقع المعاصر:
هناك من يوظف هذه الأحاديث في ظل الأحداث الجارية اليوم، والحقيقة أن هذا التوظيف لا أصل له. كما أن أحاديث المهدي مختلف فيها بين العلماء:
منهم من حسَّن بعضها،
ومنهم من صحَّح بعضها،
ومنهم من ردها كلها.
وليس في البخاري ولا مسلم حديث واحد في قضية المهدي، وإنما وردت في الترمذي وأبي داود، وقد ضعفها بعض العلماء، وأكثرها من أحاديث الآحاد.
ولا يمكن بناء أحكام مصيرية للأمة على روايات ضعيفة مضطربة؛ فلو كان هذا الأمر أصلاً من أصول الدين لذكره القرآن أو جاءت به الصحاح المتفق عليها، لكنه لم يأتِ إلا بروايات لا تقوم على ساق.
ولقد قام على هذه الأحاديث أناس في عصور مختلفة ادعوا أنهم المهدي، ومنهم جماعة جهيمان العتيبي التي احتلت الحرم، وقتلت المسلمين، وأغلقت أبوابه، وزعمت تحقق النبوءات، وقالت إن من يأتيهم ستبتلعه الأرض، لكن انتهى الأمر إلى أن ظهر بطلان دعواهم.
وكل فرقة تدعي أن المهدي سيخرج منها، ويحددون المكان والزمان ونهاية العالم، ويستدلون بأحاديث اخترعوها. وبعد اجتهاد متواضع فإن هذه الأمور كلها غير صحيحة، بل هي اختراعات مذهبية لا تقوم على دليل صحيح.
—
سابعا: وأما عن الأحاديث الصحيحة الواردة، فنعم اهتم بعض الصحابة بأخبار الفتن، وعلى رأسهم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، لكن يجب أن نعلم أن هذه الأحاديث لا تضيف شيئاً جديداً للدين؛ لأن الدين قد اكتمل، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة:3].
وإنما جاءت هذه الأحاديث لتحذير الأمة مما سيقع من انحرافات، حتى يكون الناس على وعي وحذر. ولهذا قال حذيفة: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني». وسأله عن تسلسل الخير والشر، حتى أخبره النبي ﷺ بظهور دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، وقال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ولكنهم يدعون إلى النار».
وكان الصحابة أنفسهم يخافون الفتن، وكان سيدنا عمر بن الخطاب يخاف النفاق على نفسه، ويسأل حذيفة: هل أنا منهم؟ وكان الصحابة يخشون على إيمانهم من الفتن، لأن الفتنة إذا جاءت عمت الصالح والطالح، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}.
وقال النبي ﷺ: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث».
فالصالح قد يهلك مع غيره إذا لم يقاوم الفساد، لأن شر الأكثرية قد يضيع صلاح الأقلية.
فالواجب في زمن الفتن وفي كل زمن:
هو الوقوف مع العدل ضد الظلم، ومع الخير ضد الشر، ومع الصلاح ضد الفساد.
ولا يكون المؤمن مع المنافقين، بل مع المؤمنين المستقيمين، وأما الذين يزيفون الحقائق ويظهرون الإسلام ويبطنون غيره، فقد قال الله عنهم: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}.
ولا بد أن تتكشف الحقائق، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53].