الدكتور علي جمعة ومعركة الوعي في زمن الاضطراب
26 فبراير، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الأستاذة: سيدة حسن
الشيخ الدكتور علي جمعة ليس مجرد داعية يظهر في برنامج أو عالم يتصدر المشهد في لحظة عابرة بل هو مدرسة علمية متكاملة وعقل أزهري راسخ اختار أن يخوض واحدة من أخطر المعارك في عصرنا معركة الوعي وحماية العقول قبل حماية الأحكام ولهذا كان الهجوم عليه عنيفًا وممنهجًا
هذا المقال ليس إلا نقطة من بحر في حق الشيخ علي جمعة فالرجل أكبر من أن تختصره سطور وأعمق من أن يحيط به مقال واحد لكنه محاولة صادقة لتوضيح قيمة ما يفعله في زمن صعب اختلطت فيه الأصوات وضاعت فيه البوصلة عند كثير من الشباب
نعيش اليوم واقعًا معقدًا يواجه فيه الشباب الصغير مخاطر حقيقية لا تقل عن خطر المخدرات أو العنف المادي بل قد تفوقها أثرًا لأن الخطر هذه المرة فكري وعقدي ونفسي شباب في عمر التكوين يتعرضون لخطاب متشدد يحاصرهم بالخوف ويصور الدين على أنه سجن من المحرمات وسلسلة من التهديدات ويقدّم لهم فِكرًا مشوهًا يقوم على الإقصاء والتكفير واحتقار الإنسان باسم الغيرة على الدين
في المقابل هناك من يدفعهم للضفة الأخرى فيفرغ الدين من معناه ويحوّله إلى طقوس بلا روح أو قيم بلا التزام وبين هذا وذاك يقف الشاب حائرًا إما أن يكره الدين أو ينزلق إلى تطرف أعمى وهنا تظهر خطورة المرحلة وحجم المسؤولية
في هذا التوقيت تحديدًا تصدّر الشيخ علي جمعة للمشهد دون خوف أو تردد لم يختبئ خلف الصمت ولم يكتفِ بالتحذير من بعيد بل نزل إلى الشباب وجلس معهم وسمع أسئلتهم الصعبة وواجه شكوكهم الحقيقية ورد على أفكار خطيرة بهدوء العالم وثبات الفقيه ورحمة المربي فكان سلوكه صادمًا للمتشددين لأنه سحب منهم سلاح التخويف وكشف زيف خطابهم القائم على القسوة وادعاء احتكار الحق مستحضرًا في منهجه قول الله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾[سورة آل عمران: الآية 159]
وكأن هذه الآية تحكم كل طريقته في الخطاب والفهم والاحتواءما يفعله الشيخ علي جمعة ليس تمييعًا للدين كما يروّج خصومه ولا تنازلًا عن الثوابت بل هو عودة واعية إلى جوهر الإسلام دين العقل والرحمة والفهم العميق دين يحفظ النص ويصون الإنسان ويوازن بين الحكم والمقصد وبين الشريعة والحياة ولهذا كان الهجوم عليه متوقعًا لأن الفكر المتشدد لا يعيش إلا في مناخ الخوف ولا يستمر إلا بإقصاء المخالف وتشويه العلماء الكبار .
قيمة الشيخ علي جمعة الحقيقية تظهر في شجاعته في تسمية الأمور بأسمائها وفي مواجهته لما يُعرف بالنابتة صغار العقول ضعاف العلم الذين تصدروا المشهد وأربكوا الشباب وحرّفوا صورة الدين فلم يخشَ الهجوم ولم يساوم على الحق ولم يطلب شعبية بل تحمّل الأذى ليحمي جيلًا كاملًا من الضياع
هذا المقال شهادة تقدير لا دفاعًا عن شخص بل إنصافًا لدور عالم كبير اختار أن يكون في الصف الأول حين تراجع كثيرون واختار أن يدفع الثمن وحده في معركة وعي ستذكرها الأجيال لأن التاريخ لا يحفظ أسماء من صمتوا بل يخلّد من وقفوا حين كان الوقوف مكلفًا
وما كُتب هنا ليس إلا نقطة من بحر في حق الشيخ علي جمعة عالم حمل علمه بصدق ودفعه رحمة ووقف سدًا منيعًا في وجه التشدد ليبقى الدين كما أراده الله نورًا لا سيفًا وطمأنينة لا رعبًا