“الأزهر الشريف… 1086 عامًا من النور والاعتدال”.

بقلم الشيخ : فارس أبو حبيب

حين نذكر مرور 1086 عامًا على تأسيس الأزهر الشريف، فنحن لا نحتفل برقمٍ تاريخيٍّ فحسب، بل نستحضر مسيرةً ممتدة من العلم، والتجديد، وحراسة الوسطية، أكثر من ألف عامٍ والأزهر حاضرٌ في وجدان الأمة: منبرًا للفهم الرشيد، وحصنًا يحمي هوية الإسلام من الإفراط والتفريط.

منذ نشأته في قلب القاهرة، لم يكن الأزهر مجرد مسجدٍ تُقام فيه الشعائر، بل جامعةً كبرى صاغت العقل الإسلامي عبر القرون، فيه تلاقت المذاهب، وتجاورت المدارس، وتعايش الفقه مع الحديث، والتفسير مع اللغة، والعقل مع النقل، تلك الروح الجامعة صنعت للأزهر مكانته الفريدة: لا ينغلق على رأيٍ واحد، ولا يُقصي اجتهادًا معتبرًا، بل يزن الأقوال بميزان الدليل والمقاصد.

*حارس الوسطية عبر العصور:

تعاقبت على الأزهر عصورٌ مضطربة وأخرى مزدهرة، لكنه ظل ثابتًا على رسالته: ترسيخ الاعتدال، واجه تيارات الغلو التي تُضيّق واسعًا، كما واجه دعوات الانفلات التي تُفرّغ النصوص من معناها، كان خطابه دائمًا قائمًا على قاعدةٍ واضحة: فهمٌ عميق للنص، ووعيٌ بالواقع، وإدراكٌ لمآلات الأحكام.

في لحظاتٍ تاريخيةٍ فارقة، لعب الأزهر دورًا يتجاوز التعليم إلى الإصلاح المجتمعي والوطني، وقف مع قضايا الناس، وأسهم علماؤه في توجيه الضمير العام، وصيانة السلم الأهلي، والدفاع عن كرامة الوطن، لم يكن بعيدًا عن نبض الشارع، بل كان صوتًا للعقل والحكمة حين تعلو الضوضاء.

*مواجهة الأفكار المنحرفة والتطرف:

التطرف لا يولد من فراغ؛ غالبًا ما ينشأ من قراءةٍ مبتورة، أو حماسٍ بلا علم، أو واقعٍ مضطرب يُستغل باسم الدين، هنا يتقدم الأزهر بدوره الأصيل: تفكيك الشبهات، وتصحيح المفاهيم، وبناء مناعةٍ فكرية لدى الشباب.
لم يعتمد الأزهر على الرفض الخطابي فقط، بل اشتغل على الجذور:
١- بإحياء علوم الآلة التي تضبط الفهم.
٢- بإبراز مقاصد الشريعة التي تكشف روح الأحكام.
٣- بإعداد دعاةٍ يجمعون بين التأصيل والوعي المعاصر.

وعبر هيئاته ومراكزه العلمية، قدم الأزهر خطابًا يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويؤكد أن قوة الدين في سَعة فهمه، لا في تضييقه.

*الأزهر والتجديد المنضبط:
التجديد عند الأزهر ليس قطيعةً مع التراث، ولا ذوبانًا في الحداثة، بل وصلٌ واعٍ بين الأصالة والمعاصرة، يحفظ الأصول، ويُحسن تنزيلها على واقعٍ متغير، لذلك بقي الأزهر قادرًا على مخاطبة العالم بلغةٍ يفهمها، دون أن يتنازل عن هويته.

*رسالة مستمرة:

الاحتفال بمرور 1086 عامًا هو في جوهره تجديد عهدٍ مع رسالةٍ لم تنقطع: أن يظل الأزهر قبلة العلم، ومنارة الاعتدال، ومرجع الفهم الوسطي.

هو تذكيرٌ بأن معركة الوعي لا تقل أهميةً عن أي معركةٍ أخرى، وأن حماية الدين تكون بالعلم، والحكمة، وسعة الصدر.

في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، يبقى الأزهر صوتًا يُطمئن القلوب والعقول:
دينٌ يُبنى على الرحمة، وعلمٌ يُبنى على الدليل، ووسطيةٌ تُبنى على الفهم العميق.
سلامٌ على الأزهر في عامه الـ1086…
منارةً لا تخبو، وحصنًا لا يلين، ونورًا يمتد.