الرؤية المقاصدية للخطاب الإسلامي في شهر رمضان
25 فبراير، 2026
منبر الدعاة

مقالات في الفقه الإسلامي المعاصر
بقلم الدكتور:مهدي صالحي :أستاذ تعليم ثانوي،الاختصاص:التربية والتفكير الإسلامي-متحصل على الدكتورافي العلوم الإسلامية بالمعهد العالي لأصول الدين -جامعة الزيتونة بتاريخ 11جويلية2020
إنه في ظل ماطرأ من تغيّرات على الواقع الإنساني والحضاري قد استوجب على الفكر الإسلامي إعادة صياغة المبادئ الكلية الإسلامية بما ينسجم مع هذه الطفرة من المتغيرات لبلوغ المطلب الإسلامي وهو التجديد المأمول الذي يوائم بين الثواب والمتغيرات .
ولذلك فإنّ هذا المنحى التجديدي يتحقق في ضوء قراءة مقاصدية تأسيسية للخطاب الإسلامي في شهر رمضان تجاوزا لتداعيات الانتكاسة الاجتماعية والركود الحضاري الراهن جرّاء تفاقم الأزمة التي يشهدها الخطاب ذاته إذ أنه لم يلامس القضايا الواقعية تلبية للمصالح الإنسانية المستجدة ودرءا للمفاسد الكبرى والصغرى التي تشلّ كيان الأمة، ومن ضمن المفاسد المألوفة في شهر رمضان هي غياب الوعي بالمصالح الشرعية المترتبة عن عبادة الصوم وهي تدريب العقل الإسلامي على أخلاقيات هذا الاتجاه الشعائري للتأليف بين الإنسانية وبثّ منظومة من القيم الحضارية؛ذلك لأن التثقيف المقاصدي المصلحي يسهم في تشكيل عقل خطابي يغذّي في ضمير الصائم مقاصد الممارسة التعبّدية بالإقبال الواعي على مختلف اتجاهات العبادة وتفعيل الدلالات الذوقية والحضارية للقرآن ولطائفه السَنيّة باعتبار أنّ المقصد الأعظم من تشريع صوم رمضان هو تمتين الصلة بين الصائم والقرآن الذي هو كلام الله المعجز المتعبّد بتلاوته قال تعالى:”شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان”.
غير أنه قد شاع في الوسط العربي الإسلامي ذلك الخطاب الراديكالي التجريدي برمضان الذي لم يتجاوز الرؤية التقليدية الضيّقة ممّا يفرض على الخطيب الحاذق أن يتملّك المقومات الكفيلة أهمها فقه الواقع والدراية بالمشاغل الإنسانية وتطلعاتها مع ضرورة الفهم المقاصدي لسياقات النص وأحكامه وعلله ومآلاته حتى يحسن ضبطه وتنزيله ،ولتحرير الواقع الإسلامي الإنساني من الأزمات الفعلية كالظواهر السلوكية السلبية من قبيل الخمول والتواكل والاقتصار على الالتزام بالواجبات الشعائرية في شهر رمضان والانقطاع عنها إثر انتهاءه، وتغليب مصلحة النوافل والمندوبات على مصلحة الفرائض أوترجيح المصلحة الفردية على المصلحة الأسرية .
ووفقا لهذه الاعتبارات المصلحية فإن الرؤية المقاصدية تحمل في جوهرها بعدا تأصيليا حضاريا يسهم إلى حدّ بعيد في صناعة وعي مصلحي بحقيقة الصوم يجمع بين المصالح الدنيوية والأخروية دون تغليب مصلحة جزئية على مصلحة كلية التي أنيطت بها الأحكام الشرعية جلّها ودقّها عملا بقوله تعالى:وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس”.
فهذه الآية وسطٌ في مبناها ومعناها ،والوسطية من مقاصد الشريعة والعقيدة معا إذ لاإفراط ولاتفريط ممّا يؤسس لأبعاد حضارية تتمثل في الموازنة بين الواجبات التعبّدية والدنيوية وكلّها تحقق مصلحة أخروية لأنها تؤلّف لأنموذج تطبيقي للعبادة في مدلولاتها العامة مصداقا لقوله ﷺ: لاتحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق”
ولذلك فإن هذه الرؤية المقاصدية الحضارية تصلح أن تكون معيارا تتخذه المؤتمرات العلمية والهيئات التي تشرف على تكوين الخطباء للتجديد في الخطاب الديني إذ لامناص من المقاربة المقاصدية التي تراعي سياقات النصوص الثابتة وفقه المرحلة.