مصر بين الخلافة الإسلامية والقومية العربية في فكر الاخوان

بقلم الدكتور : حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس

سلسة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال الحادى عشر

فكرة القومية العربية تمسكت بها مصر الخمسينيات والستينيات، ولم تكن مجرد شعارات خيالية، أو أحلام لا تستند على واقع لإلهاب حماس الجماهير والمؤيدين، بل كانت سلوك وأفعال امتدت لمعظم الدول العربية بداية من إرسال المعلمين والأطباء وعلماء الأزهر والخبراء في كثير من المجالات لمعظم الدول العربية، لقيادة التنمية أو للمساهمة في التنمية والتعليم والعلاج وخلافه، ومعظم هؤلاء المبعوثين كانوا على حساب دولة مصر العربية.

ولم تكتفي مصر بذلك بل أرسلت المعونات المالية والعسكرية لكثير من الدول العربية الشقيقة، وضحت مصر بالنفيس والغالي من أجل عروبتها وأشقاءها، وحمت مصر العربية العراق من تهديدات شاه إيران، كما حمت مصر العربية الكويت، من تهديدات عبد الكريم قاسم، وحافظت على وحدة لبنان في الخمسينيات والستينيات من التدخل الأجنبي، ثم كان تأميم قناة السويس بدم المصريين أول من ساعد بعد ذلك على تأميم واسترداد بترول العرب للعرب، وكل الثروات العربية بوجه خاص والعالم الثالث بوجه عام ،

ثم كانت فكرة وحقيقة الوحدة العربية مع سوريا، نعم حدثت أخطاء ولكن هذه هي طبيعة التجربة البشرية، والمحصلة أن مصر قدمت نموذج إيجابي في مجمله كشقيقة كبرى، وكانت القاهرة هي قلب العروبة النابض، وهي عاصمة العرب الأولى التي تتوسط عرب أفريقيا وعرب أسيا، وهي عاصمة الثقافة العربية بكافة أبعادها الثقافية الدينية ومركزها الأزهر داخل القاهرة، والثقافة الأدبية وثقافة الفن وكانت اللغة المصرية هي اللغة العربية العامية لكل العرب، وكانت القاهرة هي عاصمة الفن العربي، هذه هي مصر وقدرها ومكانتها،

وبالتالي مصر هي قلب العروبة وعاصمة العرب في مشروع القومية العربية، ولكن في فكرة الخلافة الإسلامية عند الإخوان نجد أن القاهرة بحجمها البشري والنوعي والثقافي ليست لها مكانة، فعاصمة الخلافة ليست مكة أو المدينة أو القاهرة بل هي القدس، ولا أعرف متى وكيف ستتحرر القدس، وهل هذا واقع أم وسيلة لجذب بعض المؤيدين والمريدين، ثم أن قضية الوطن غائبة في فكرة الخلافة وهذا أكده مرشد جماعة الإخوان السابق (مهدي عاكف) في مقولة “طظ في مصر”

وهو هنا لا يريد السب في مصر ولكنه يقر حقيقة أن مصر مجرد قطعة أرض صغيرة من وطن الخلافة الذي يشمل أراضي المسلمين في شتى أنحاء العالم، وبالتالي فمصر بقعة طين صغيرة، وفي ضوء ذلك نفهم مقولة المرشد مهدي عاكف أنه لا يمانع في أن يحكم إخواني من ماليزيا مصر، وأيضاً نفهم مقولة المرشد محمد بديع عندما قابل إسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة حماس أثناء تولي د/ محمد مرسي الحكم عندما قال له… كنت أتمنى أن تكون رئيس وزراء مصر وفلسطين،

وفي ضوء ذلك نفهم هجوم الأستاذ عبد الجواد ياسين وهو أحد كوادر الإخوان المسلمين في الثمانينات في كتابه “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة” أن كل دعوة إلى الانتماء لمصر أو للعروبة تعتبر دعوة جاهلية معاصرة (ص178)، ومن هنا فالقول بأن قضية الخلافة هي فكرة فلسفية أو أمل وأمنية غالية لا تضر، هذا القول خالف للواقع، لأن فكرة الخلافة تنعكس في شكل سياسات وحقائق على أرض مصر ومثال لذلك:

1. قضية أنفاق سيناء وهي ببساطة ضد قواعد القانون والأخلاق والأمن والاقتصاد، ومع ذلك وبعد ظهور كل هذه السلبيات فإن استمرارها يعني ترجمة حقيقية لفكرة الخلافة وعدم النظر لمصالح مصر كجزء صغير من مشروع الخلافة.

2. إن قضية الخلافة ترتبط بفكرة التنظيم الدولي للإخوان، وهذا تنظيم معظم قياداته وأمواله وملامحه وسياساته غير معروفة للشعب، ومن هنا الخطورة بأننا نتعامل مع تنظيم مثل جبل الثلج معظمه غير واضح رغم أهميته وتأثيره في الشأن الداخلي، كل هذا يعمق في النهاية غياب أو ضعف فكرة الوطن لدى الجماعة.

3. إن قضية الخلافة تثير كثير من المخاوف والصراعات بين كثير من الدول لأنها فكرة مركزية نشأت من جماعة الإخوان وتقول أن عاصمتها القدس وليست القاهرة أو مكة، بينما قضية القومية العربية تعني تعاون وتكامل اقتصادي وسياسي متدرج كما حدث في الاتحاد الأوربي وبين دول متشابهة لغوياً وثقافياً وجغرافياً وليست لطرف سيادة أو زعامة على الأخرين، ومن هنا ففكرة القومية العربية قابلة للتطبيق ولذلك تحاربها أمريكا والغرب لأنها ضد مصالحهم، والأهم أن وحدة العرب ضد مصلحة إسرائيل التي تطمع بأن تمتد دولتها من النيل إلى الفرات ولذلك كانت سعادة إسرائيل كبيرة بوفاة ناصر حيث قال بيجين اليوم سيعود العرب فرقاء كما كانوا قبل مجيء ناصر لأن توحد العرب يعني غروب شمس إسرائيل ومزيد من الاعتماد على الذات وبالتالي يقل الاعتماد على الاستيراد من أمريكا والغرب وتكون التنمية والتكامل العربي على حساب الغرب، ولكن قضية الخلافة أحلام بعيدة تخلق مزيد من الانقسام والصراعات مما يؤدي لاستمرار التبعية للغرب، ولذلك يبارك الغرب والعدو فكرة الخلافة. ثم والأهم هل القومية العربية والتعاون العربي يعوق حلم الخلافة وحتى لو اتفقنا على فكرة الخلافة أليس من المنطقي أن تبدأ بالتعاون العربي الأسهل والأسرع في التنفيذ وهل وحدة أو تجمع العرب يتعارض مع وحدة أو تجمع المسلمين وهل يمكن تصور قيام تجمع أو وحدة إسلامية بدون تجمع أو وحدة عربية في البداية وهل رسالة الإسلام ونشره لم تبدأ بالعالم العربي أنا لا أتصور قيام قوة أو وحدة إسلامية بدون أن تسبقها قوة ووحدة عربية وبالتالي أرى من الأصوب أن نركز في البداية على التجمع والوحدة العربية وليس هناك تعارض وهنا نتذكر ما قاله الشيخ الشعراوي إن وحدة العالم الإسلامي تبدا بوحدة العرب وعلينا أن نرجع لبداية انتشار الإسلام حيث بداء بالوطن العربي ثم انتشر تدريجا وعلينا الاهتداء بذلك.

4. أن فكرة الخلافة تعتمد على الانتشار بقوة السلاح كما ذكر المرشد الأول، وهل الانتشار بقوة السلاح فكرة تناسب روح الإسلام وخاصة في العصر الحديث عصر الفضائيات المفتوحة، لأن الغرض هو توصيل رسالة الإسلام لكل إنسان (ومن يشأ فليؤمن ومن يشأ فليكفر)، والأن يمكن توصيل رسالة الإسلام عبر الفضائيات لكل مكان وكل إنسان على وجه الأرض، وفي الختام علينا مراجعة تاريخ الخلافة وهو في معظمه مؤلم وفيه تعددت دول الاستعمار الغربي لدول الخلافة الإسلامية ونرجع للتاريخ

5. ان قضية القومية العربية أو التكامل العربي يعتمد على أسس جغرافية واجتماعية واقتصادية وثقافية قوية تحقق مصالح مشتركة للجميع فمثلا جميع دول الحدود لمصر عربية لهم مصالح أمنية واحدة وعدو واحد ثم يجمعهم عادات وتقاليد متقاربة ولغة واحدة ومصالح اقتصادية وتكامل اقتصادي بين دول مجاورة يسهل من خلالها انتقال الافراد والتجارة ويمكن للعرب تحقيق اكتفاء ذاتي في الغذاء والطاقة والعمالة وتقريبا كل شيء وبالتالي فهى وحدة مصالح وجغرافيا ومجتمع واقتصاد ولغة وثقافة بوجه عام عكس فكرة الخلافة.

ثامنا: الجماعة والديمقراطية والأحزاب

موقف المرشد الأول للجماعة من الديمقراطية يتضح في أرائه حول عدة موضوعات سياسية تتلخص في الآتي:

الموقف من الأحزاب السياسية ومن أهل الحل والعقد.

بالنسبة للأحزاب السياسية:

يقول المرشد الأول في رسالته نحو النور نصاً: “القضاء على الحزبية” وتوحيد قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصف واحد (ص175).

وفي رسالته إلى المؤتمر الخامس يقول المرشد: “أن مصر لا يصلحها ولا ينقذها سوى حل الأحزاب كلها، وتتألف أو تتشكل هيئة وطنية عاملة تقود الأمة إلى الفوز وفق تعاليم القرآن” (ص370).

ويقول المرشد في نفس الرسالة: أن الأحزاب السياسية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم، وعطلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان بها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الآثار، كما أدت إلى توسيع هوة الانقسام في الأمة وزعزعة السلطة، وأن الإسلام يحرم الأحزاب أشد التحريم في كل تشريعاته، وينادي المرشد بالسير على نظام الحزب الواحد (ص 368)، وهكذا يدعوا المرشد إلى إلغاء كل الأحزاب ويبقى حزب واحد هو الذي يسير وفق القرآن الكريم، وهذه الآراء كانت في بلد ينتمي إليه إخوة من أهل الكتاب سواء المسيحين أو اليهود. هذا رأي المرشد الأول للجماعة، أليس في ذلك إقصاء لأي جماعة أو رأي آخر؟، كما يلاحظ فتوى المرشد الأول تنص صراحة بأن الإسلام يحرم الأحزاب أشد التحريم في كل تشريعاته!، هذه الفتوى الصريحة هل توافق عليها الجماعة الآن؟ وهل هذا هو رأي الإسلام القاطع في الاحزاب؟ أم أن هذا فكر خاطئ لا يتناسب مع الإسلام؟

نعود مرة أخرى لقضية التحريم وهل يملك المرشد أو غيره هذا الحق وماهي مرجعيته الدينية كما أن الجماعة تراجعت عن هذا الكلام وشكلت حزب سياسى في مصر وغيرها من البلاد وهى نفس قضية المرأة وقضية التحريم تعدى على سلطات المولى الكريم الله وحده هو الذى يحلل ويحرم فمن أين أتى المرشد بهذه الفتوى أو اسانيدها من القرءان أو السنة وما هي مرجعيته والآن بعد ما تكرر تدخله في التحليل والتحريم أكثر من مرة وبدون سند هل هذا هو الإسلام الصحيح أفلا تعقلون ثم هل هناك تحريم أشد و وتحريم اخف استغفر الله العظيم!

وفي حديث المرشد عن أهل الحل والعقد في رسالته عن مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، أن نظام الحكم الإسلامي يجب أن يعتمد على أهل الحل والعقد، وأن هذا الوصف ينطبق على ثلاث فئات هم:

الفقهاء المجتهدون.

أهل الخبرة في الشئون العامة.

رؤساء الجماعات والقيادات وشيوخ القبائل (ص667)

والملاحظة الأساسية على هذه الفئات الثلاث أنها تتصف العمومية، ومن ثم عند تحديدها هناك صعوبة، فمثلاً من هم الفقهاء المجتهدين هل علماء الأزهر الحاصلين على شهادات علمية في ذلك؟ أم من؟، والحقيقة أن قضية الديمقراطية داخل الجماعة ترتبط أيضاً بالسمع والطاعة وإن كنت أفضل تأجيلها في مكان آخر، ولكن في الختام فإن قضية الديمقراطية داخل الجماعة ترتبط بفكرة التنظيم الرأسي الواحد، وربطه بالدين، وهو ما يسمى بالإسلام السياسي، وهنا خطورة ربط الإسلام بالسياسة وخاصة في الشق الدعائي والإعلامي، بمعنى استخدام الدين للحصول على مكسب أو مكاسب سياسية، وذلك لأن الدين موجود فعلاً في كل نواحي حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ولكن هناك فرق بأن يكون الدين موجه للبرامج السياسية المختلفة لمختلف الأحزاب، وبين المتاجرة بالدين، لأن ذلك يرتبط بعدة أخطار أهمها ما يلي:

1. أن الأحزاب الدينية تعني إقصاء للأخرين وهي ترجمة لأفكار الجماعة منذ نشأتها، لأنها تعني أن بقية الأحزاب غير دينية، وهنا بذرة الإقصاء بل وتكفير الآخرين، لأنه عند نقد الحزب الديني أو الإسلامي فهذا يعني نقد للإسلام مما يعطي نوع من القداسة لهذه القيادات وهم بشر.

2. إن هذه الأحزاب تسيء للدين أساساً لأن الإسلام دين سماوي لا يأتيه الباطل ومنزه، لكن أي حزب سياسي أو جماعة تضم مجموعة من البشر يخطئون ويصيبون فلماذا الربط، وخاصة وأن حاضر المسلمين سيء ويعيشون معظم حياتهم على منتجات الحضارة الغربية واليابانية والصينية ونحن نتحدث عن حضارات معظمها من خارج أهل الكتاب، ومن ثم دائماً هناك فرق بين الإسلام والمسلمين والفجوة اليوم بينهما أكثر اتساعاً من أي وقت، لماذا الربط إلا إذا كان ذلك لمصلحة شخصية وسياسية لتكون النتيجة النهائية سلبية على الدين.

3. أن التجربة الحالية للأحزاب الدينية قد أدت إلى زيادة الفرقة والتجزئة داخل الوطن والمجتمع والأسرة أحياناً، والأخطر أن هذه التجربة قد أسقطت رموزاً دينية كانت كبيرة المقام إلى أسفل السافلين في نظر معظم الشعب المصري، ومن هنا خطورة سقوط كثير من ممثلين القدوة الدينية أمام الشباب والشعب، وسوف يكون لذلك تداعيات سلبية كبيرة على النشء الشباب والمجتمع في السنوات القادمة، وفي النهاية كل هذه الأفكار ضد الديمقراطية والحرية وتضر بالدين والمجتمع .بل قد تساعد على نشر الإلحاد وفقدان الثقة في رجل الدين خاصة بين الشباب.

وفي الختام إذا كان مرشد الجماعة يرى أن الإسلام يحرم الأحزاب السياسية أشد التحريم في كل تشريعاته، وفي نفس الوقت يرى أن مهمة الجماعة غزو العالم والوصول إلى أستاذية العالم، وأن قوة السلاح سوف يستخدمها في تحقيق ذلك، أليس في ذلك وسيلة غير العنف والقوة لتحقيق هذه الغاية؟ وخاصة مع رفض فكرة الأحزاب السياسية كوسيلة للوصول للحكم؟ وإذا لم يكن العنف فما هي الوسيلة لحل هذه التناقضات؟ ,وتبقى القضية الأخطر من أعطى لكم حق التحريم وأين مرجعية التحريم لأن في هذا تدخل يتجاوز حقوق البشر فالمولى الكريم وحده من يحرم ويحلل ولذلك يتريث العلماء كثيرا في تحريم أي شيء بدون نص أو مرجعية واضحة وهذا يتكرر كثيرا ويصدر من شخص غير دارس أو متخصص في الدين من الأساس ثم هل هناك محرمات عادية ومحرمات أشد كما يقول المرشد إن الإسلام حرم الأحزاب أشد التحريم في كل تشريعاته وأين كل هذه التشريعات ولماذا لم يذكرها لأن الجماعة عليها السمع والطاعة بدون نقاش او حتى فهم.