كشف الغمة عن القادح في منزلة سيد الأمة ﷺ
20 فبراير، 2026
بستان النبوة

بقلم أ : مهدي المعاملي
معلم بالأزهر الشريف – وخطيب بوزارة الأوقاف
الحمد لله قبل كل مقال وأمام كل رغبة وسؤال , والصلاة والسلام على سيدنا محمد والآل , ومن تبع هديهم , واقتفى أثرهم , وسار على نهجهم إلى يوم الدين , وبعد:
فإن البردة الشريفة التي نظمها الإمام البوصيري _ رحمه الله _ والمسماه بـ” الكواكب الدرية ” كانت ولاتزال ينبوعًا في فن المديح النبويّ ينهل منه الناهلون , ويرتوي من مائه العاشقون المحبون .
ولما كان لكل نبيّ عدو من المجرمين , وحزب من أولياء الشيطان مناصرين , مع كثرة الجهل وعموم البلوى , رأينا على الساحة من طفا مع قلة البضاعة , والجهل بقواعد الصناعة , فذهب هؤلاء يتهمون الإمام البوصيري بالشرك والبدع , ويعيبون التراكيب والصيغ , ولعمري إنها إحنٌ بدرية , وضغائن أحدية توارثتها الأجيال عقب الأجيال , فإن الحب ميراث , والبغض ميراث , ولكل مناصر ومدافع , فاللهم اجعلنا من أهل الحب الخالص , وأمدنا بمدد نبيك الكريم , وكان من جملة ما عابه هؤلاء على الإمام بعض أبيات النظم الشريف , ومنها قوله :
يَا أَكْرَمَ الرُّسْلِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمَمِ
وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بِي ِذَا الْكَرِيمُ تَحَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ.
معتقدين أنّ القولَ بذلك نوع من أنواع الشرك إذ لايجوز للمرء أن يلوذ بإحدٍ غير الله ,ونحن نقول بحول الله وقوته , وعونه ومدده : إن الفعل لاذ يلوذ جاء بمعانٍ عدة في اللغة منها : اللجوء , والتحصن , والاستتار , جاء في لسان العرب ” لوذ : لاذ به يلوذ لواذا : لجأ إليه وعاذ به . ولاوذ ملاوذة ولواذا : استتر . وقال ثعلب : لذت به لواذا احتصنت . ولاوذ القوم ملاوذة ولواذا أي لاذ بعضهم ببعض ؛ ومنه قوله تعالى : { يتسللون منكم لواذا }؛ والملاذ والملوذة : الحصن . ولاذ به ولاوذ وألاذ : امتنع . ولاوذه لواذا : راوغه”.
فقول الأمام “ألوذ به ” أي : أتحصن به وبجاهه في يوم الحساب الأهوال , يوم لاينفع فيه مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم , ومن يملك ذلك القلب ؟ ومن منّا ليس في حاجة إلى سيد الخلق ﷺ؟ , ومن منّا يستطيع أن ينكر فضل صاحب الفضل؟ , وقد ثبت بالأدلة القطعية , والنقول الأثرية في أبواب الفضائل النبوية , أنّ للرسول ﷺ خصوصيات لاتعادلها خصوصية منها :
ـ أنّه ﷺ صاحب الشفاعة العظمى التي يسعى إليها الناس يوم القيامة , ودليل ذلك مارواه أبو هريرة _ رضي الله عنه _ من الناس يأتون الأنبياء يوم القيامة , فيقول كل نبيّ لأمته : نفسي نفسي , ” فيأتون محمدًا ﷺ فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رَسولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأنْبِيَاءِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فأنْطَلِقُ فَآتي تَحْتَ العَرْشِ، فأقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عزَّ وجلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ علَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسَابَ عليهم مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوَابِ، ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كما بيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ – أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى”.
_ أنّه ﷺ الملجأ للمؤمنين في الدنيا وحامي حماهم المدافع عنهم , يشهد لذلك ماروي عن علي بن أبي طالب _ رضي الله عنه _ قال : ” لقد رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ ونحن نَلوذُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، وهو أَقرَبُنا إلى العَدُوِّ، وكانَ مِن أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئذٍ بأسًا”.
فها أنت أخي الحبيب ترى بعين الإنصاف جزءًا من منزلته وخصوصيته ﷺ في الدنيا والآخرة , فكيفَ تُنكِرُ حُبّاً، بعدما شَهِدَتْ بهِ عليكَ عُدُولُ الدَّمْعِ والسَّقَمِ ؟.
أمّا احتجاجهم بقوله ﷺ ( وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) , فهذا لايصلح دليلًا لإسقاط شفاعته ؛ بل هو من باب الحث على العمل الصالح وعدم التواكل على صلة القرابة التي تجمع الزهراء به ﷺ , ثمّ إن الحبيب كان من دعائم ترهيبه أنّه يضرب الأمثلة بأقرب الناس وأحبهم لقلبه حتى يعلم الناس أنّ الشرع ليس فيه مجاملة أو تهاون , ومن ذلك أنّه ﷺ قال في شأن المخزومية التي سرقت وأرادت قريش أن تكلم رسول الله في شأنها فكلفت بذلك أسامة , فما كان منه ﷺ إلا أن قال مستنكرًا { أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب ، فقال : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله : لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها } , فالمتأمل في الحديث الشريف يعلم بما لايدع مكانًا للشك أن فاطمة لم تسرق وما كان لها أن تسرق , وكيف ذلك وهي ربيبة بيت النبوة ومن صلبه ؟ ولكنه رسول الله يعلمنا .
فاللهم صل على الحبيب الشفيع سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.