بقلم الدكتور : حمزة عبد الله سعادة شواهنة (باحث في الدراسات الإسلامية – فلسطين).
أخلاقيّات التعايش الإيجابي عند الرسل عليهم السلام في ضوء القرآن الكريم([1])
الحمد لله ربّ العالَمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيّين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فإنّ القِيَم تتصدّر حيِّزاً مهمّاً في حياة الإنسان، وبالتالي فقد شغلت مساحة عريضة مِن بحث المهتمّين بالجوانب الإنسانية والاجتماعية والنفسية عبر التاريخ.
ولمّا كانت قِيَم التعايش الإيجابي على وجه الخصوص مِن الموضوعات التي تشغل بال المجتمعات الإنسانيّة اليوم؛ وذلك ﺑﺳﺑب تنامي ثقافة العنف، لا سيّما في العقلية الاستعماريّة الغربيّة، ونظراً لمَا تواجه العالَم بأسره مِن تحدّيات أمنيّة، وتفكُّك العلاقات الاجتماعيّة، وصراع المصالح، مِن هنا جاء هذا المقال بعنوان (أخلاقيّات التعايش الإيجابي عند الرسل عليهم السلام في ضوء القرآن الكريم)؛ وذلك لتجلية معالِم التعايش وفق رؤية قرآنيّة وسطيّة، تهتدي بمنهج الرسل عليهم السلام وتطبيقاتهم في رعاية المسيرة التعايشيّة؛ حتى لا يُستغلّ الدّين مِن قِبل المتطرّفين فكريّاً مِن أيّ طرف وملّة.
*معنى قيم التعايش الإيجابي
بالرجوع إلى الدلالة اللغويّة لِلفظ التعايش، نجد أنّه مشتَقّ مِن العيش، والعيشُ كما قال ابن فارس هو: “الحياة والبقاء”([2])، وعايَشه: عاش معه، وتعايَشوا: عاشوا على الأُلفة والمودّة، ومنه التعايش السِّلمي([3]).
ويُلحظ أنّ لفظ التعايش ورد على صيغة (تفاعُل)، ممّا يفيد بوجود علاقة تشاركيّة بين جميع الأطراف على الرغم مِن التنوّع الفكري والثقافي بينهم.
ومِن خلال تتبُّع لفظ التعايش بتصاريفه المتعدّدة في الذِّكر الحكيم، يتّضح أنّه استُخدم بهذا المعنى في سبعة مواضع، منها قولُه سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}[النبأ: 11]([4]).
وأمّا التعايش الإيجابي في الاصطلاح، فيُقصد به: “العيش المتبادَل مع الآخَرين، ولا يكون التعايش إلا بوجود الأُلفة والمودّة، ولا يعيش الإنسان مع غيره إلا إنْ وُجد بينهما تفاهُم ورغبة بعيشة مشتركة، لُحمتها الأُلفة، وسداها المودّة والثقة”([5]).
ونستطيع القول: إنّ مفهوم التعايش في الإسلام يتلخّص في التعامل بالمعروف مع غير المسلِم مِن أﻫﻞ الذﻣّﺔ أو المعاهدين والمستأمنين -سواء كان ذلك في الخطاب، أم في مطلق التصرُّفات-، وفق الضوابط الشرعيّة، ويشمل هذا التعايشَ الدولُ والشعوب على حدّ سواء.
*نماذج مِن القيم الخلُقيّة للتعايش الإيجابي عند الأنبياء عليهم السلام مِن خلال القرآن الكريم
تجدر الإشارة إلى أنّ للقيم مكانة كبيرة، فهي ضروريّة للفرد والمجتمع والسلطة؛ لأنها تعمل على إيقاظ الضمائر، ولا يمكن لأيّ نظام متسامح أن ينهض بلا قيَم، وهنا يتعيّن على الدول تبنّي القيم الإنسانيّة المشترَكة كالصدق وغيرها مِن القيم الأساسيّة في تحقيق التعايش، وهي كلّها قيَم جاءت بها الديانات، وأرساها منهج المرسَلين عليهم السلام في مجتمعاتهم، والمتأمّل في سُوَر الذِّكر الحكيم، يلحظ أنّ الدعوة إلى التحلّي بتلك القيم قد تجلّت في أكثر مِن موضع، وذلك في سياق مخاطبة الرسل عليهم السلام، وسأكتفي بذكر شاهد على ذلك، وهي على النحو الآتي:
1- تشريع التكافل الاجتماعي، وإقامة العلاقات الاجتماعيّة: لذا فقد وردت طائفة مِن الآيات تُعّبر عن هذا البعد الإنساني، حيث ورد في هذا السياق الدعوة إلى المعاملة بالإحسان، والإنفاق على المحتاجين مِن أبناء المجتمع جميعاً، وذلك في سياق مخاطبة الله عزوجل رسوله محمّداً r في أكثر مِن موضع، كقوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}[البقرة: 215].
2- الإحسان إلى الأسرى: يحكي القرآن الكريم توجيه الله عزوجل لنبيّه محمّد r إلى التخفيف عن أسرى الطرف الآخَر، وعن ذلك يقول الله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[الأنفال: 70].
3- تحرِّي الصدق في الأقوال والأفعال، ونبذ الكذب: لذا دعا الرسل عليهم السلام إلى تحرِّي الصدق، وأثنى الله عزوجل على رسُله عليهم السلام باتصافهم بكثرة الصدق، كما ورد ذلك في قوله سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}[مريم: 41]، ويقول سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم وهو يصف المنافقين الذين احترفوا الكذب واعتادوه، حتّى إنَّهم يُقسِمون الأيمان؛ ليُصَدِّقهم الناس: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)}[المجادلة: 14 – 15].
4- رفع الظلم، ونصرة المظلوم: فمِن أهمّ القواعد التي يرتكز عليها منهج الدعوة عند الرسل عليهم السلام في التعايش الإيجابي التحذيرُ مِن ظلم الآخرين، حيث دأب الرسل عليهم السلام على إنصاف المظلومين، فهذا موسى الكليمعزوجل يعلِن انحيازه الكامل للمظلومين مهما كلّفه ذلك مِن ثمن، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص: 15].
5- إقامة العدل: ففي سياق الأمر بالحوار بين النبيّ محمّد r وأهل الكتاب مِن اليهود والنصارى، يوصي الله سبحانه وتعالى نبيّه محمّداً r بالعدل بينهم، حيث يقول سبحانه وتعالى له وللأمّة مِن بعدِه: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}[الشورى: 15].
6- الدعوة إلى ثقافة التسامح: فمِن أعظم صور التسامح عند المرسَلين عليهم السلام تسامحُ إبراهيم عزوجل مع أبيه آزَر، على الرغم مِن شدّة إعراضه، وصدّه عن دعوته، كما حكى الله عزوجل على لسانه عزوجل: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)}[مريم: 42 – 50].
7- الأمر بأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، والنهي عن الخيانة: يحكي القرآن الكريم أمانة أوّل رسول بعَثه وهو نوح u، وذلك في معرض بيان قصّته مع قومه، فيقول عزوجل عنه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106)}[الشعراء: 105- 106]، كما نلحظ هذا المعنى يتجلّى في سياق مخاطبة الله U سيّدنا محمّداً r، حيث يأمره صلى الله عليه وسلمبهذا الخلُق القويم حتى آخِر لحظة، كما في قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}[الأنفال: 58].
8- تفعيل مبدأ الرقابة الذاتيّة والضمير الإنساني: والمتأمّل في سُوَر الذِّكر الحكيم، يلحظ أنّ منزلة المراقبة تجلّت في أكثر مِن موضع في القرآن الكريم، كما في قوله صلى الله عليه وسلمفي قصة يوسف عزوجل: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)}[يوسف: 23 – 24].
9- تقديم النفع العامّ, والتفاعل الإيجابي: ونستلهم هذا المعنى مِن سيرة سيّدنا يوسف عزوجل، حيث تعلِّمنا أنه ينبغي أن يكون المسلم مثالاً في العطاء، فما مثَلُه إلّا كمثَل الغيث أينما وقع نفع، فلا ينعزل عن محيطه في الكهوف مهما يعايشه مِن عناء، وهو بصبره وتعاونه المثمر واختلاطه بمجتمعه يقدّم صورة مشرِقة عن دِينه وأتباع ملّته، ولعلّ خير نموذج يجسِّد هذا الخلُق، ذلكم التعامل الفريد الذي تحلَّى به الصحابة رضى الله عنه في كل بقعة حلُّوا بها، حيث كانوا رسُل خير، وهذا التعامل الحسن منهم رضى الله عنه تطبيق عمليّ لمَا تعلَّموه مِن نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم([6]).
وفي ختام هذا المقال أحسب أنّ القارئ قد تعرّف على أهمّ القيم الخلُقية للتعايش الإيجابي في منهج الأنبياء عليهم السلام، واتَّضح له مِن تلك القيم التي رسّخها الأنبياء عليهم السلام في البشرية جمعاء، ومنها: تشريعُ التكافل الاجتماعي، والإحسان إلى الأسرى، وتحرِّي الصدق، ونصرة المظلوم، وإقامة العدل، وإفشاء التسامح، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانة، وتفعيل الضمير الإنساني.
والناظر في تلك القيم الخلُقيّة للتعايش الإيجابي في منهج الأنبياء عليهم السلام، يتبيّن له ثبات القيم الأخلاقيّة في السياسة الشرعيّة؛ كونها لا تعرِف الكيل بمكيالين، ولا شكَّ أنَّ مِثل هذه القيم الحضاريّة لتُعِينُ بكلّ قوّة على إيجاد عيش مشترَك، يحيا كافّة شرائح المجتمع في ظلاله بأمان وهدوء، بالمقابل ترى في الأوساط الغربيّة المعاصرة الهجوم السافر على الإسلام والمسلمين، في حين يعلنون نظريّاً شعارات التعايش السلمي والأخوّة الإنسانيّة في الوقت نفسه.
وخلاصة القول: إنّ اﻟﺗﻌﺎﯾش ﺑﯾن البشر ﻗدﯾم بقِدَم الديانات والشرائع، وﺗرﺟﻊ ﺑوادرﻩ اﻷُوﻟﻰ إلى مبعث الأنبياء عليهم السلام، حيث ﺿرب الأنبياء عليهم السلام أروع اﻷﻣﺛﻠﺔ ﻓﻲ ترسيخ أرفع قيم التعايش الإيجابي بين بني الإنسان، وتقعيدِ قواعده، لذلك أخذ الحديث عن موضوع القيم الحضاريّة مساحة واسعة في تعاليمهم.
وصلوات الله وسلامُه على أشرف خلْقه وتاج رسُله محمد وعلى آله وصحبه، وأسأله سبحانه وتعالى أن يؤمّننا في أوطاننا، وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.
[1] الدكتور حمزة عبد الله سعادة شواهنة, (باحث في الدراسات الإسلامية – فلسطين).
[6] لمزيد بيان في هذا الموضوع. انظر، حلاوة، حسين: قواعد الإندماج الإيجابي للمسلمين في أوروبا، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ايرلندا، مج (11)، ع (12)، 2008م / 1429ه، (317 – 318).