طاعة الوالدين ووليّ الأمر
27 يناير، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم أ : أحمد عوف
طاعة الوالدين ووليّ الأمر: قال الله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23]، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ) [لقمان: 14]، وقال تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) [الإسراء: 23].
ولمّا أراد الله تعالى أن يمدح الأنبياء قال: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مريم: 32]، وقال تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم: 14].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رغم أنفه ـ أي لصق بالتراب، كناية عن الذل والمهانة ـ ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكِبَر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك» رواه مسلم.
قال النووي: (الصحابة هنا بفتح الصاد، بمعنى الصُّحبة، وفيه الحث على برّ الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب. قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه، وشفقتها وخدمتها، ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته، وخدمته، وتمريضه، وغير ذلك).
وحديث الثلاثة الذين حبستهم الصخرة في الغار، فقال أحدهم متوسلًا بعمله: «اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ لا أُغبِقُ (أي لا أقدّم) قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلبُ الشجر يومًا، فلم أَرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبتُ لهما غبوقهما، فوجدتُهما نائمين، فكرهتُ أن أوقظهما وأن أُغبِق قبلهما أهلًا أو ولدًا، فلبثتُ والقدحُ على يدي أنتظر استيقاظهما حتى بَرَقَ الفجرُ، والصبيةُ يتضاغون (أي يصيحون من الجوع) عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة»، فانفرجت شيئًا. رواه البخاري.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قلتُ: ثم أيّ؟ قال: برّ الوالدين. قلتُ: ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله». رواه البخاري. قال ابن حجر: (ومحصَّل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال: أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، فيُعلِم كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو يكون الاختلاف لاختلاف الأوقات، فيكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوالدُ أوسطُ أبواب الجنة، فإن شئتَ فاحفظْ هذا الباب أو ضيِّعْه». رواه الترمذي.
هنا بيّن ربّ العزة أن مقام العبادة له وحده لا شريك له، وقضى بأن يكون لوليّ الأمر مقام آخر في المعاملة، وهو مقام الإحسان. ومقام الإحسان هو أن تعامل الآخر من باب العمل بلا مقابل؛ فالأب يحسن إلى ابنه، يربيه ويطعمه، ولا ينتظر منه مقابلًا أبدًا. وهذا هو مقام طاعة الوالدين: أن يبذل الولد ما لديه من أفعال، وأن يمتثل ويخضع لوليّ أمره بلا انتظار لمقابل، فهو يأخذ المقابل وزيادة، ولن يستطيع أن يُحصي ما قدّمه له أبوه وأمه أبدًا.
فتأمّل أن الله أمر ببرّ الوالدين ولو كانا كافرين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «قدِمتْ عليَّ أمي وهي مشركة، فاستفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صِلي أمك». رواه مسلم. فما بالك لو كانا مسلمين؟
وقد قال تقيّ الدين السبكي، مجتهد الزمان وقاضي القضاة، في رسالته في برّ الوالدين: (الذي أراه في برّ الوالدين وتحريم عقوقهما أنه تجب طاعتهما في كل ما ليس بمعصية، ويشتركان في هذا هما والإمام، أعني الخليفة).
ويزيد الوالدان على الإمام بشيء آخر، وهو ضعفهُما في تقويم الولد، بخلاف وليّ الأمر، فإن عنده من القوة ما يقدر به على ردّ المعوجّ وردّ الشارد، وهنا وجبت طاعتهما زيادةً على وجوب طاعة وليّ الأمر.
والخلاصة أن طاعة الأم والأب ووليّ الأمر في كل أمر ليس فيه معصية لله واجبة، وهذا هو الحق.
يتبع …..