أساليب عبد الله بن سبأ فى القضاء على دولة النبوة

المقال الثالث من سلسلة ( انبياء الدجال )
بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم
الباحث فى التاريخ الإسلامى

ومن العجيب أيضاً طريقة حياة شخصية عبد الله بن سبأ وتصديها للمهام بل وحتى الشعارات السياسية التى ألقاها فى جموع اتباعه والتى حركت وللأسف الضغائن والأحقاد بين المسلمين.

لقد اتبع ذلك الشخص فى طريقة اتصاله بأتباعه وغيره من الجماهير نفس طرق أجهزة المخابرات الحديثة ، وهى تجنيد الأشخاص وصناعة الأتباع وشراء الذمم حتى يصنع كياناً يترأسه ، وهو ما قد كان بإنشاءه فرقته المسماة بالسبئية أو السبئيين ، والتى تحرك فيها على عدة اصعدة سواءً أكانت علمية أو سياسية أو عسكرية وهدفه من ذلك هدف قريب ظاهر وهو ايقاع الفتنة بين المسلمين وهدف آخر أشد خبثاً وضراوة وهو تحريف الملة كما حرَّف غيرها من الملل.

ومن أساليبه أيضاً الدالة على خبرته بالمجال الإستخباراتى هو اصطناع الأحداث وتلفيقها على دقة عالية من الحرفية والمهنية والتى من الصعب ارتجالها دون خبرة عظيمة فى هذا الشأن منها ما ذكر فى كتاب استشهاد عثمان ووقعة الجمل من مرويات سيف بن عمر لخالد الغيث (ص 87 – 99) : (واستخدم ابن سبأ كذلك الأعراب، فذهب إليهم و بدأ يثير عندهم الأكاذيب حول عثمان ويستدل على قوله بكتب مزيفة كتبها هو وأعوانه على ألسنة طلحة والزبير وعائشة، فيها التذمر على سياسة عثمان في الحكم، فصار الأعراب وهم الذين لا يفقهون من دين الله الشيء الكثير، يتأثرون بهذه الأكاذيب ويصدقونها فملئت قلوبهم على عثمان رضي الله عنه).

ومن ذلك ما ذكره ابن الأثير فى الكامل في التاريخ صفحة 526 فى الجزء الثانى : (ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ، ذكر مسير من سار إلى حصر عثمان ، قيل : في هذه السنة كان مسير من سار من أهل مصر إلى ذي خشب ، ومسير من سار من أهل العراق إلى ذي المروة .

وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً ، وأسلم أيام عثمان ، ثم تنقل في الحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس ، فلم يقدر منهم على ذلك ، فأخرجه أهل الشام ، فأتى مصر فأقام فيهم وقال لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع ، فوضع لهم الرجعة ، فقُبِلت منه ، ثم قال لهم بعد ذلك : إنه كان لكل نبي وصي ، وعلي وصي محمد ، فمن أظلم ممن لم يُجِزْ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصيِّه ، وإن عثمان أخذها بغير حق ، فانهضوا في هذا الأمر وابتدءوا بالطعن على أمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس .

وبثَّ دعاته ، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه ، ودعوا في السر إلى ما هو عليه رأيهم ، وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم ، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون ، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا بذلك الأرض إذاعة ، فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء ، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار ، فقالوا : إنا لفي عافية مما فيه الناس .

فأتوا عثمان فقالوا : يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا ؟ فقال : ما جاءني إلا السلامة وأنتم شركائي وشهود المؤمنين ، فأشيروا علي . قالوا : نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم .”

وذكر ابن كثير فى تاريخه جزء 10 صفحة 278 فى احداث سنة 35 هـ شيئاً من الكتب المزورة والتى كانت سبباً فى اشعال الفتنة فقال : (وزوِرت كتبٌ على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان علي وطلحة والزبير ، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين ، وأنه أكبر الجهاد اليوم).

ويكمل ابن كثير جزءاً من مسلسل الدعاية السوداء التى برع فيها ابن سبأ وكانت سبباً فى تأليب الخارجين على سيدنا عثمان بن عفان فيتابع القول فى احداث سنة 35 هـ : (وكان المصريون – فيما ذُكِر – لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريداً يسير ، فأخذوه ، ففتشوه ، فإذا معه في إدواة كتاب على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم ، وبصلب آخرين ، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم . وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان والبريد أحد غلمان عثمان ، وعلى جمل عثمان ، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس ، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك ، فقال : بينة علي بذلك ، وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت ، ولا دريت بشيء من ذلك ، والخاتم قد يزور على الخاتم . فصدقه الصادقون في ذلك ، وكذَّبه الكاذبون . ويقال : إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سرح ويولي محمد بن أبي بكر ، فأجابهم إلى ذلك فلما رجعوا وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه ، فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقاً شديداً ، وطافوا بالكتاب على الناس فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس).

وروى ابن جرير ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عمه عبد الرحمن بن يسار ، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي على جملٍ لعثمان .

وذكر ابن جرير من هذه الطريق : (أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه . وهذا كذبٌ على الصحابة ، وإنما كتبت كتبٌ مزورة عليهم ، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتباً مزورة عليهم أنكروها ، وهكذا زُوٍّر هذا الكتاب على عثمان أيضاً ، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضاً).

لقد كان عبد الله بن سبأ يتحرى خُطاه ومواقع أقدامه وقت أن جاب الامصار الإسلامية لبثِّ فتنه وأفكاره، فلا يكاد يظهر اعتباطاً إلا بين أنصاره وجماعته خوفاً من الحوادث التى قد تودى به ، ومنها أنه عندما نزل البصرة، وفي البصرة أقام عبد الله ابن سبأ عند حكيم بن جبلة العبدي ، وخبره كما ورد في الطبري فى تاريخه :

( لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة ، وكان حكيم رجلاً لصاً إذا قفلت الجيوش خنس عنهم ، فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ، ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما يشاء ثم يرجع ، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان ، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرج من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً ، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها ، فلما قدم ابن السوداء نزل عليه ، واجتمع إليه نفرٌ فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح ، فقبلوا منه واستعظموه).

والمقصود بحكيم بن جبلة هو ذلك الصحابى حكيم بن جبلة العبدى من بنى عبد القيس الذى شارك حصار عثمان بن عفان وفى موقعة الجمل وكان ذا دين ومروءة تاب عن حصار عثمان بن عفان ورثاه الامام على بن ابى طالب ، ومن الواضح ان هذا النص محرف ومنحول على الامام الطبرى مثل كثيرٌ من النصوص التى تناولت هذه الشخصية أو لامست حقائق عنها ، إلا أن بهذا النص خطوط عريضة وسط سطور التحريف وهى أن هذا الرجل قد نزل فعلاً على حكيم بن جبلة وهو سيد قومه من بنى عبد القيس فأظهر له التقية والتدين وهناك اجتمع ابن سبأ برجاله ونقل اليهم تعليماته وأوامره والتى من شأنها اذكاء الفتنة وتعميقها بين المسلمين أملاً فى تحريف الشريعة الاسلامية.

كذلك حفظ لنا هذا النص طريقة الدجال عند طوافه بالبلاد ، فهو لا يجوب البلدان غريباً سهلاً بدون حماية او حسبما تدبر له الحوداث شئونها ، ولكن خطوات هذا الرجل مدروسة محسومة ، فها هو ينزل على رجلٍ سيد قومه بالمداهنة او غيرها ، لكن لابد أن يكون هناك ضمان من العنف الذى قد يحاق ضده.

وكذلك سبب طوافه بالبلاد وهو معرفة احوالها وتقديرها والاجتماع برجاله واصدار التعليمات اليهم ، فهى مسموعة قيد التنفيذ بمجرد سماعها وهذا هو حال الجند المجندة.