فلسفة العبودية لله

بقلم: الدكتور. إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية 

إن مفهوم “التفرغ لله” قد استقر في أذهان الكثيرين على أنه انقطاعٌ في المحاريب، وانعزالٌ عن ضجيج الحياة، واختزالٌ للدين في ركعاتٍ وسجداتٍ أو دريهماتٍ تُبذل في زكاةٍ وصدقة، أو صيام نهار، أو رحلة حج أو عمرة.

ورغم أن هذه الشعائر هي معارج الروح وسموها وارتقاؤها، إلا أن التفرغ الحقيقي لله أوسع مدىً وأعمق أثرًا؛ إنه حالة من “الحضور القلبي” تجعل من نبضات الحياة اليومية كلها ترتيلاً في محراب العبودية.

فالتفرغ لله لا يعني خلو اليد من العمل، بل يعني خلو القلب من التعلق بغير الرب، بحيث يتحول كل سعيٍ في مناكب الأرض إلى صلاةٍ صامتة، وتغدو كل معاملةٍ مع الخلق جسرًا يربط العبد بخالقه، فتتجلى هنا أسمى صور الفلسفة الإيمانية التي لا تفرق بين عبادة الجوارح واستقامة السلوك.

وتبدأ أولى عتبات هذا التفرغ حين يوقن المرء أن عينه التي تدمع في السجود هي ذات العين التي يجب أن تغض الطرف عن الحرام في سوق العمل، وعن كل محرم في دروب السير والخلوات، وأن اليد التي تُرفع للدعاء هي اليد التي تتحرى طيب الرزق، وتنبذ كل كسبٍ فيه شبهة.

فمن راقب الله في كسب ماله، وعلم أن المسئولية الملقاة على عاتقه في طلب الحلال هي عبادةٌ يتقرب بها إلى الله، فقد تفرغ قلبه لله حتى وهو في قلب زحام العمل والتجارة والبيع والشراء.

إن اللقمة الحلال التي يسعى الرجل لجلبها لعياله وزوجه بصدق وأمانة، تضيء في قلبه نورًا لا يقل عن نور القناديل في المساجد؛ لأنها طاعةٌ لله في خلقه، وتحقيقٌ لمراده في عمارة الأرض بالحق والعدل والمراقبة الدائمة.

ثم يمتد هذا الفيض الرباني ليغمر عتبات البيوت، حيث تجد العبودية الحقيقية تجلياتها في الرفق بالزوجة وحسن معاشرتها، وفي تلك الرحمة التي تفيض من قلب الرجل ليكون لزوجته سكنًا وأمانًا، مُستحضرًا في كل لمحةٍ ونظرةٍ مراقبة الله الذي استأمنه عليها بميثاق غليظ.

إن التربية للأبناء في هذا السياق ليست مجرد كدحٍ لتوفير المأكل والمشرب، بل هي صياغةٌ للأرواح على عين الله، ومراقبةٌ دقيقة لغراس القيم ونبت الفضائل في نفوسهم؛ فكلما اجتهد الوالدان في تقويم سلوك أبنائهما بنية التقرب للخالق، كان ذلك منسكًا قلبيًا رفيعًا.

وحين يربي الأب أولاده وهو يشعر أنهم أمانة الله بين يديه، فإنه حينها يكون في حالة نسكٍ لا ينقطع، ويكون قلبه متفرغًا لله وحده، إذ يرى في وجوه صغاره واجبًا إلهيًا يؤديه بكل حب وإخلاص، بعيدًا عن صخب المباهاة أو التفاخر الدنيوي الزائل.

وفي فضاء العمل وبين الزملاء، يشرق معنى التفرغ لله حين تنمحي الأنانية وتذوب الأحقاد في بوتقة المراقبة الإلهية؛ فالزميل الذي ينصف زميله، والموظف الذي يتقن عمله وكأن عين الخالق ترقبه هو عابدٌ حقًا، تفرغ قلبه من حطام الدنيا ليمتلئ بخشية الله وعظمته.

وكذلك الجار مع جاره، حين يكون كف الأذى وبذل الندى وحسن الجوار هي اللغة السائدة، فإن هذه المعاملات تتحول إلى عبادةٍ يتذوق المرء حلاوتها في قلبه قبل جوارحه.

إنها حياةٌ تتناغم فيها الصلاة مع الصدق، والزكاة مع العفة، والحج مع الاستقامة، والصوم مع صون السريرة ولجام النفس عن الهوى؛ ليكون الإنسان في كل أحواله متوجهًا بوجهه وقلبه نحو القبلة الحقيقية، فلا يراه الله حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره، حتى يصبح القلب بيتًا خالصًا لله، لا يزاحمه فيه حب مالٍ ولا جاهٍ ولا ولد، بل يسخر كل هؤلاء لخدمة ذاك الحب الأعظم، فتستقر النفس وتطمئن، وتغدو الدنيا كلها، بمرها وحلوها محرابًا للتفرغ لرب الأرض والسماوات.