المفتاح والسر في فهم هذه الرحلة المباركة


الوقفة الخامسة من سلسلة (تأملات ووقفات فى ذكرى الإسراء والمعراج  ) 

بقلم فضيلة الشيخ: عبدالرحمن شريف رضوان
إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف
وعضو المنصة الرقمية بوزارة الأوقاف

إن المفتاح والسر في فهم هذه الرحلة المباركة فيما يلي:

أولًا: لا بد من الإيمان يقينًا أنها معجزة حدثت لرسول الله، والمعجزة هي أمر خارق للعادة، أمر خارج عن قدرات وإمكانات البشر، ونواميس وقوانين الكون.

لذلك صدّر المولى جل وعلا سورة الإسراء بقوله: {سبحان}، وكلمة سبحان تعني: علم على تنزيه الله، وهي تستخدم في الأمر الغريب، الأمر غير المألوف، الأمر الخارج عن حدود العقل البشري، وهذي الثانية.

ثالثاً: الله سبحانه قال: {الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} من الفاعل للفعل؟ من الذي أسرى؟؟ هو المولى جل وعلا، والفعل -الإسراء- على قدر الفاعل، وهو الله جل وعلا، كما لو قلتَ: سافرتُ بولدي الرضيع إلى السعودية لأداء العمرة. من الذي سافر؟! هل من المعقول أن يسافر الرضيع، ويؤدي المناسك وحده؟ كلا.

حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لقيتُ ليلةَ أُسريَ بي»، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه لم يسرِ بنفسه، وإنما أُسريَ به.

رابعاً : قوله: {لِنُرِيَهُ من آياتنا} {وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ} كلمتا (لِنُرِيَهُ، وأَرَيْنَاكَ) الفعل ليس لرسول الله، وإنما الفعل لله.

فالله هو الذي أسرى بعبده، والله هو الذي أرى عبده الآيات، وهنا يحضرني قول الأديب مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم: “وأنا ما يكادُ ينقضي عجَبي من قوله تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}، مع أنَّ الألفاظ كما ترى مكشوفةٌ واضحة، يُخيَّلُ إليك أنْ ليس وراءها شيء، ووراءها السرُّ الأكبر؛ فإنَّها بهذه العبارة نصٌّ على إشراف النبيّ -صلى الله عليه و سلَّم- فوق الزمان والمكان، يرى بغير حجاب الحواسِّ، ممَّا مَرْجِعُهُ إلى قُدرةِ الله لا قدرةِ نفسِه؛ بخلاف ما لو كانت العبارة: “لِيَرَى مِنْ آياتنا” فإنَّ هذا يجعلُهُ لِنفسه في حدود قوَّتِها وحواسِّها وزمانها و مكانها، فيضطربُ الكلام، ويتطرَّقُ إليه الاعتراض، ولا تكون ثَمَّ معجزة.

وتحويلُ فِعل “الرؤية” من صِيغةٍ إلى صيغةٍ كما رأيتَ، هو بعينِهِ إشارةٌ إلى تحويل الرائِي من شكلٍ إلى شكلٍ، وهذه معجزةٌ أخرى يسجدُ لها العقلُ”!