عيد الشرطة المصرية 74 وفق الرؤية الإسلامية


بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادرأستاذ أصول التربيةكلية التربية جامعة الأزهر

عيد الشرطة المصري 74 مناسبة وطنية عظيمة، تستحضر فيها نماذج التضحية والوفاء، ويعاد فيها التأكيد على قيم راسخة دعا إليها الإسلام، من حفظ الأرواح وحماية المجتمع، إلى إقامة العدل والدفع عن المظلوم، فحفظ الأمن من المقاصد العظمى للشريعة الإسلامية، حيث جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وهي المقاصد التي تقوم عليها مهمة رجال الشرطة يومًا بعد يوم، وما يقدمه رجال الشرطة من بذلٍ وتضحية دفاعًا عن الوطن وحقوق الناس، يدخل في باب الأمانة التي قال فيها الله في كتابه الكريم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ ( سورة النساء: 58).

وتعد حماية المجتمع من الفوضى والاعتداء من صور معاونة ولي الأمر في تحقيق الصلاح ودفع الفساد، وهو ما دل عليه قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ( سورة النساء: 59)، فطاعة أولي الأمر هنا قائمة على أساس إقامة الحق، وصيانة المصالح العامة، وتطبيق مبادئ العدل التي جاء بها الإسلام، أما رجال الشرطة الذين يقفون في مواقع الخطر، متحملين مسؤولية حفظ الأمن وصون المجتمع، فإنهم يؤدون عملًا يدخل في معنى كفّ الأذى عن الناس، وقد قال النبي ﷺ (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ((متفق عليه(، وفي موضع آخر بين ﷺ فضل من يسعى في حاجة الناس ويحميهم، فقال ﷺ (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ((رواه مسلم)، فدرء الخطر عن المواطنين، ورفع الكرب عنهم، والتصدي لمن يهدد أمنهم، كلها أعمال تدخل في أبواب الفضائل الشرعية، وتأكيدًا على أن خدمة الناس نوع من العبادة العملية التي تبتغى بها وجه الله ومصلحة الأمة.

أن الدفاع عن الوطن وصون استقلاله يدخل ضمن باب الجهاد المدني الذي يقوم على القتال ويشمل حماية الثغور الداخلية، وحفظ الاستقرار، ومنع الظلم والاعتداء، وقد قال رسول الله ﷺ في بيان فضل حراسة الأمة (عينان لا تمسهما النار… عين باتت تحرس في سبيل الله ((رواه الترمذي)، وهذه البشرى النبوية تشمل كل من يسهر لحماية المجتمع والدفاع عنه من الأذى، ومن ثم، فإن عيد الشرطة هو تذكير بقيم إسلامية تثمن حفظ الأمن، وصيانة الدماء والأموال والأعراض، وترسخ معنى المسؤولية المشتركة بين الشعب ومؤسساته، على أساس التعاون الذي قال فيه الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ( سورة المائدة: 2)، وهكذا يتكامل الواجب الوطني مع المبدأ الشرعي، ليظهر أن التضحية من أجل أمن الوطن قيمة ربانية حث عليها القرآن وأكدتها السنة، ويمارسها رجال الشرطة واقعًا ملموسًا في كل يوم.

وتستمر الشرطة المصرية، في كل يوم، في بذل الغالي والنفيس من أجل حماية الوطن، ومكافحة الجريمة، ومواجهة الإرهاب، واضطلعت بدور محوري في استقرار المجتمع، بما يعكس القيم الإسلامية في الأمانة، والشجاعة، والإخلاص في العمل، فكل عمل يقومون به هو جهاد في سبيل الله لحفظ الناس ودرء الأذى عنهم، كما قال النبي ﷺ(المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار)، فمسؤولية الشرطة تشبه هذا الشراكة، فهي تضمن سلامة المجتمع واستقراره، وتهدف التربية الشرطية في مصر إلى صقل رجال شرفاء، مزودين بالقيم الإسلامية النبيلة، متجذرين في حب الوطن، ومدافعين عن الحق، فهم صابرون على المشاق، مخلصون في أداء واجبهم، ومتفانون في خدمة الناس، وقد وصف الله الصابرين في كتابه الكريم (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ( سورة آل عمران: 17).

وقد أظهرت الشرطة المصرية، جنبًا إلى جنب مع الدولة والقيادة السياسية الرشيدة والقوات المسلحة والشعب الأصيل، أروع صور البطولة في مواجهة الإرهاب، مُظهرةً الالتزام بالقيم الإسلامية في حفظ الأمن، ودحر الفساد والظلم، وحماية المواطنين من كل اعتداء، فالإسلام يحث على حماية النفس والمجتمع من كل خطر، وقد كان هذا واضحًا في صمود رجال الشرطة أمام كل أشكال التهديدات، ومواجهتهم للتحديات دون كلل أو ملل، مظهرين شجاعة وإيمانًا عميقًا بواجبهم الوطني والشرعي، كما أن الممارسات الأمنية المتميزة أسهمت في تعزيز الوحدة الوطنية، وحماية المجتمع من الفتن والشبهات، بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، فالشرطة تمثل السند الحصين الذي يضمن استقرار المجتمع، وتوحد صفوف الشعب، ليبقى الوطن منيعًا أمام محاولات الفتنة والخراب، كما أرشدنا الإسلام إلى التعاون على البر والتقوى، وتجنب الفساد في الأرض فقال تعالي (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ( سورة المائدة: 2).

ولقد أدرك المصريون عبر تاريخهم القريب والبعيد أن نعمة الأمن هي الركيزة التي تقام عليها حضارة الأمم، وأن كل مشروع للتنمية أو الإعمار لا يمكن أن ينهض إلا على أرض مستقرة آمنة، ومن خلال هذه الخبرة التاريخية، وعبر ما مر به الوطن من أحداث جسام، تبلور في الوعي الجمعي أن الاستقرار شرط وجودي لحماية المكتسبات الوطنية وتهيئة الظروف التي تسمح لكل إنسان أن يبني مستقبله بطمأنينة وثقة، ويتسق مع التوجيه القرآني الكريم الذي جعل الأمن من أعظم النعم، كما قال تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش: 3-4(، فجعل الأمن قرين الرزق، وكلاهما أساس لقيام المجتمع ونهضته،

ووضح رسولنا الكريم الله ﷺ هذه الحقيقة في حديثه (من أصبح منكم آمنًا في سِرْبه، مُعافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنا)( رواه الترمذي)، فجمع بين الأمن والصحة والرزق، وعد اجتماعها كمال النعمة، وفي اللحظات الحرجة التي اشتدت فيها التحديات على الوطن، وقف الشعب المصري كتلة واحدة إلى جانب مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها جهاز الشرطة، مؤكدًا أن قوة الدولة في وحدة شعبها وتماسك بنيانها الداخلي، ومن جانب آخر، حمل رجال الشرطة أمانتهم بصدق، فبذلوا أوقاتهم، وعرضوا أنفسهم للخطر، حماية للوطن وصونًا لحرماته، محققين بذلك مقصداً شرعيًا عظيمًا من مقاصد الإسلام الكبرى، وهو حفظ النفس وصيانة المجتمع من الفوضى والاعتداء.
وتجلى في هذا التلاحم الشعبي والمؤسسي تطبيق عملي للتعاون على تحقيق المصلحة العامة، ونشر الأمن، ودفع الفساد، وتثبيت ركائز الاستقرار، فالشرطة تؤدي دورها في منع الاعتداء وحماية الحقوق، والشعب بدوره يساند ويشارك ويحافظ على مقدرات الوطن، فيتحقق بذلك التكامل الذي أراده الإسلام بين فئات الأمة ومؤسساتها، وهكذا يظهر بجلاء أن الأمن قيمة دينية وحضارية، طلبها الشرع، وعرفتها الأمم، وأدركها المصريون من واقع تجاربهم، فكان نتاج ذلك وعيًا راسخًا بأن البناء لا يستقيم إلا في ظل الاستقرار، وأن الأمة لا تنهض إلا إذا تعاون شعبها مع مؤسساتها في تحقيق الخير العام وصيانة الوطن من كل ما يهدد وحدته ومستقبله.
ونخص رجال الشرطة المصرية بأعظم كلمات الشكر والتقدير، فهم على ثغر من أعظم ثغور الأمة، يقومون على حفظ الأمن وصون الأرواح وحماية المقدرات، فيمثلون بذلك المعاني الإسلامية الرفيعة في التضحية والإيثار، وما يقومون به من جهد وسهر وسعي في خدمة الوطن هو عمل يبتغى به وجه الله، لأنه يدخل في باب حفظ النفس والمال والعرض، وهو من أعظم مقاصد الشريعة، وقد جاء في الحديث الشريف (خير الناس أنفعهم للناس) (رواه الطبراني)، فرجال الشرطة من أكثر الناس نفعًا حين يقفون بين المجتمع وبين الأخطار التي تهدده، فيسدون أبواب الفوضى ويفتحون طريق الأمن والاستقرار، حيث إن حماية الأرواح ومنع الاعتداء صورة من صور إحياء النفوس وصيانتها.

وعيد الشرطة، حين نتأمله، يعد تذكير دائم بأن الأمن أمانة، وأن حمل الأمانة يحتاج إلى رجال صادقين، يمتلكون من خلق الانضباط والوفاء والشجاعة ما يؤهلهم لحماية المجتمع، وهو كذلك مناسبة للاحتفاء بمنظومة القيم التي يقوم عليها السلم الاجتماعي في الإسلام: العدل، والرحمة، والتعاون، وردع الظلم، وتحقيق المصلحة العامة، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، ومن ثم فإن الأمن والاستقرار هما أساس العمران والتنمية، وشرط لتحقيق النهضة والرخاء، وقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض إلا حين تتهيأ لها بيئة آمنة تحفظ الحقوق وتحفز العقول وتوفر الطمأنينة.

فكل التحية والإجلال لرجال الشرطة المصرية، الذين جمعوا بين الإخلاص لله والانتماء للوطن، وبين القوة في مواجهة المخاطر، والرحمة في خدمة الناس، ونسأل الله أن يحفظهم، وأن يجعل ما يقدمونه في ميزان حسناتهم، وأن تبقى الشرطة المصرية بعطائها وثباتها سندًا للأمة والشعب، ورمزًا للأمان والخدمة المخلصة، وعنوانًا للقيم الإسلامية والوطنية الراسخة.