تحويل القبلة… طاعة القلب قبل الاتجاه
24 يناير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الدكتورة : إيمان إبراهيم عبد العظيم
مدرس بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر – واعظة بوزارة الأوقاف
لم يكن تحويل القبلة في ليلة النصف من شعبان مجرّد انتقالٍ مكانيّ من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، بل كان إعلانًا ربانيًا واضحًا أن جوهر الإيمان ليس في الجهة، وإنما في الامتثال. فحين أُمر المؤمنون بالتحوّل، لم يُسألوا عن الحكمة أولًا، بل طُلب منهم السمع والطاعة، فجاء الامتثال سابقًا على الفهم.
لقد شكّل تحويل القبلة اختبارًا صريحًا لصدق الإيمان، وميزانًا يفرّق بين من يعبد الله حقًا، ومن اعتاد العبادة على صورةٍ واحدة لا يقبل تغيّرها. قال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾..سورة البقرة(من الآية ١٤٣).
فالقضية لم تكن اتجاهًا، بل اتباعًا.
وفي لحظة التحويل، استدار المؤمنون في الصلاة نفسها، بلا جدال ولا تردّد. حركة جسدية بسيطة، لكنها كانت في حقيقتها حركة قلبية عميقة، تؤكد أن العبودية الحقة هي أن يتحرك القلب مع الأمر حيثما توجّه.
ويعلّمنا تحويل القبلة أن ثبات الدين لا يعني الجمود، وأن الامتثال لا يُناقَض بالحكمة، بل يسبقها. فما أمر الله به فهو حق، سواء أدرك العقل علّته أم لم يدركها بعد.
أما عن الاستفادة المعاصرة من تحويل القبلة:
أنه حتى في حياتنا اليومية، يمكن أن نستفيد من هذا الدرس: أحيانًا يُطلب منا أن نغيّر اتجاهًا في حياتنا أو أسلوبًا في تعاملنا، أو نترك عادةً اعتدنا عليها. فالحكم ليس في صعوبة التغيير، بل في صدق الامتثال، وفي نقاء القصد، وفي القدرة على ترتيب القلب قبل ترتيب الشكل.
فالتحويل إذًا ليس مجرد حركة جسدية، بل تجربة ربانية متكاملة، تجمع بين الطاعة، والنية الصافية، والمرونة في التطبيق، وتوحّد الأمة على قلب واحد، وصدق الله تعالى القائل: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} سورة الأنبياء الآية (٩٢).
وهو مما يدعو للتكاتف والتعاون والتكافل ويوجب الاتحاد بين أبناء الأمة العربية والإسلامية لمواجهة التحديات والمخاطر التي تداهمها في وقتنا الحاضر حتى تتجاوز هذه المرحلة بسلام .
إن تحويل القبلة درس متجددفي كل زمان: يجعل من كل عبادة اختبارًا للنفس قبل الجسد فليست العبرة أين نقف، بل لمن نقف، وليست القيمة في الاتجاه، بل في صدق الاتباع.