إلجام العوام عن علم الكلام
24 يناير، 2026
العلم والعلماء

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
يُعَدُّ كتاب: «إلجام العوام عن علم الكلام» من الكتب المفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي، ألَّفه الإمام الأصولي الفقيه المتكلم الصوفي الأشعري الشافعي، حُجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله (المتوفى سنة 505هـ)، بعد أن سبق له التأليف في علم العقيدة بكتابه: «الاقتصاد في الاعتقاد».
وموضوع الكتاب واضح من عنوانه؛ إذ يقرر الإمام الغزالي بوضوح: كفى للعوام خوضًا في مسائل علم الكلام، لما في ذلك من اضطراب القلوب، وتشويش الإيمان، وإقحام غير المؤهلين فيما لا تُحسن العقول غير المهيأة وُلُوجه.
وقد يُثار هنا سؤال مهم:
من هم العوام الذين دعا الغزالي إلى إلجامهم؟
لقد كفانا الإمام الغزالي مؤونة الجواب، فحدَّد المفهوم تحديدًا دقيقًا حين قال:
«وفي معنى العوام: الأديب، والنحوي، والمحدث، والمفسر، والفقيه، والمتكلم، بل كل عالم، سوى المتجردين لتعلُّم السباحة في علوم المعرفة، القاصرين أعمارهم عليه، الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات، المخلصين لله تعالى في العلوم والأعمال، العاملين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات، المفرغين قلوبهم بالجملة عن غير الله تعالى، المستحقرين للدنيا في جنب محبة الله؛ فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة»
(إلجام العوام، ص 64، ط دار الحكمة).
فالعوام عند الغزالي ليسوا الجهلة فحسب، بل كل من لم يسلك طريق المعرفة القلبية بشروطها، ومجاهداتها، وتزكيتها؛ لأن معرفة الله عنده سرٌّ قلبيٌّ بين العبد وربه، لا تُنال بالجدل الكلامي، ولا بالمخاصمات العقلية، ولا بكثرة الاعتراضات والردود.
ومن هنا، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء هذا الشعار الغزالي: «إلجام العوام عن علم الكلام».
كفى شغل المسلمين بقضايا خلافية ليست من أصول الدين، ولن يُسأل عنها العبد يوم القيامة، وكفى جدلًا عقيمًا مزَّق الصف، وأضعف وحدة الأمة، واستنزف الطاقات في مهاترات علمية تخصصية على صفحات الإنترنت.
وأوسِدوا الأمر إلى أهله؛ إلى العلماء المتخصصين الدارسين.
وإن اختلف هؤلاء العلماء، فليس للعوام شأنٌ باختلافهم؛ لأن اختلاف العلماء لا يُكلَّف بحمله غيرهم، ولا دخل للعوام فيه.
وأقول لكل من امتلك قلمًا، أو صفحة، أو موقعًا يخاطب من خلاله عامة الناس:
إن العوام لا يحتاجون إلى من يُربك عقولهم بالمسائل الخلافية، بل إلى من:
يثبِّت الإيمان في قلوبهم
ويدعوهم إلى الله بالحكمة
ويزكِّي أخلاقهم
ويعالج تقصيرهم
ويربطهم بجوهر الدين وروحه
لا إلى من يُشغلهم بما لا يعنيهم ولا يقرِّبهم إلى الله خطوة واحدة.