ضيق الصدر الأسباب والعلاج


بقلم الأستاذ الدكتور/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان

أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية
عضو مجمع الفقه الإسلامي بكندا

إن راحة البال من أعظم نعيم أهل الدنيا كمال قال الله تعالى: “وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ” [محمد: 2]، أي أن الله أصلح حالهم وشأنهم وسهل أمرهم وأراح قلوبهم وطمأن نفوسهم، وقوله تعالى: “وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ” فيه أربعة أوجه: أحدها: أصلح شأنهم، قاله مجاهد الثاني: أصلح حالهم، قاله قتادة. الثالث: أصلح أمرهم، قاله ابن عباس، والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم.» تفسير الماوردي، النكت والعيون (5/ 291)

كما أن صلاح الحال وراحة البال من أعظم نعيم أهل الجنة في الآخرة،

قال تعالى: “وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ 4 سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ 5 وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ 6 ” [محمد: 4-6]    

من ” فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ “[الأنعام: 125] من يُرِد الله هدايته يشرح صدره، ومن يرد الله إضلاله يضيِّق صدره، من تدبَّر هذه الآية تدبُّراً صحيحاً فإنه يجعل من نفسه باحثاً عن الأسباب التي يشرح بها صدرُه للإسلام.

فمن من الله عليه وهداه للإسلام شرح الله صدره فيعيش على نور من ربه مطمئن القلب مستريح البال “أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ” [الزمر: 22] 

وهذا سيدنا موسى عليه السلام عندما كلَّفه ربنا عز وجل بالذهاب إلى فرعون، وقال له: “ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ 24″ [طه: 24]  مهمَّة عظيمة كبيرة جليلة ألا وهي تبليغ رسالة الله عز وجل إلى رجل طغى وتجبَّر وتكبر وتعدَّى الحدَّ أيَّما تعدٍ، طلب من الله أن يشرح صدره لأن الذهاب إليه يحتاج إلى شرح صدر، إلى حلم وأناة، إلى رفق، إلى حكمة، إلى أسلوب، لذلك سيدنا موسى عليه السلام قال مباشرة بعد التكليف: ” قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي 25 ” [طه: 25]، لأن شرح الصدر يعني هدايةً، يعني حلماً، يعني حكمةً، يعني قوة، يعني جُرأة، يعني صبراً، يعني حُسنَ خلق، يعني صفات الكمال.

فسيدنا موسى طلب شرح الصدر فأُعطِيَه بعد الطلب فقال مولانا: “قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ 36” [طه: 36] أمَّا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد شرح الله صدره ابتداءً وأرشده أنها نعمة امتن الله عليه بها تحتاج أن يتحدث بها فيشكر الله عليها: “أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ 1 ” [الشرح: 1] فمهمته أعظم من مهمة سيدنا موسى عليه السلام، ورسالته أعظم، ودائرة دعوته أوسع، حيث أرسل للناس كافَّة.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم دئمًا منشرح الصدر في سائر الأحوال، كان مشروح الصدر مع كثرة الهموم وأعباء الرسالة، منشرح الصدر مع كثرة الأحزان، مشروح الصدر مع كثرة المعارك، مشروح الصدر مع الإيذاء من المشركين له ولأصحابه الكرام، مشروح الصدر في العطاء والمنع، في القوة والضعف، مشروح الصدر في الصحة وفي المرض، لأنه كان يشهد أن الفاعل إنما هو الله تعالى.

أسباب وضيق الصدر

  • الإعراض، والبعد عن اتباع هدي الله تعالى “وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ 124″[طه: 124] 

  • الهمّ، والغم، والحزن، والنصب، والكرب لذلك كان النبي يستعيذ من الهم صباح مساء عن أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَعُوذُ ‌بِكَ ‌مِنَ ‌الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.» البخاري (6369)

  • كثرة الضغوط، وتحمل المسؤولية والخوف من مواجهة الظالمين يسبب ضيق صدره وترتعد فرائصه وتضطرب يداه ويتعثر لسانه ولا ينطلق قال تعالى: “وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ 13″[الشعراء: 13]

ما هو العلاج لضيق الصدر؟

والأن نصف له العلاج في ضوء القرآن الكريم، ويكمن العلاج في:

  • التسبيح بحمد الله تعالى، أن يكثر العبد من تسبيح الله تعالى تستريح نفسه وينشرح صدره قال تعالى: “فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ “[الحجر: 98]

وكان كلما آذاه الأعداء إذا دعاهم إلى مولاهم رجع إلى مولاه فتسلى بعلمه ونظره إليه وقربه منه، واشتغل بمناجاته، وذكره ودعائه وخدمته، فنسي كل ما أصابه من الألم من أجله، وقد أمره الله بذلك في القرآن الكريم في مواضع كثيرة نحو قوله تعالى: ” وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ 48 وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ 49″ [الطور: 48-49] 

وقوله تعالى: “فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ 39” [ق: 39]

  • كثرة الصلاة، والعبادة ولقد كان النبي ﷺإذا أهمه أمر لجأ إلى الصلاة فقال رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “‌أَرِحْنَا ‌بِهَا ‌يَا ‌بِلَالُ، الصَّلَاةَ”

كثرة السجود خاصة بين يدي الله عز وجل فالسجود مقام القرب من الرب جل وعلا قال تعالى: “وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ” [الحجر: 98]، فمن أراد القرب وتفريج الكرب فليكثر من السجود لله تعالى، ولقد أمر الله نبيه محمد ﷺ حينما أرادت قريش بقيادة أبي جهل أن تنال منه وتؤذيه قال له ربه “كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب ۩ 19 ” [العلق: 19] 

وجماع ما سبق في قوله تعالى: “وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ 97 فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ 98 وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ 99 ” [الحجر: 97-99] 

  • ذكر الله تعالى: من الأعمال التي تريح النفس، وتطمئن القلب، وتشرح الصدر قال تعالى: ” ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ 28″[الرعد: 28] 

  • الدعاء وصدق التضرع بين يدي الله تعالى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، ‌أَوْ ‌عَلَّمْتَهُ ‌أَحَدًا ‌مِنْ ‌خَلْقِكَ، ‌أَوِ ‌اسْتَأْثَرْتَ ‌بِهِ ‌فِي ‌عِلْمِ ‌الْغَيْبِ ‌عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؟، قَالَ: «أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ»([1])

  • كثرة الاستغفار والصلح مع الله يريح البال، ويشرح الصدر، ويفرج الكرب ويذهب الهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَنْ ‌لَزِمَ ‌الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» أخرجه أحمد (3712)، والطبراني (10352)، وابن حبان (972)، وقال إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح.

فمن ‌لزم ‌الاستغفار ودوام عليه واستمر. جعل الله له خلاصًا من همه، وطريقًا وسبيلًا وسببًا يخرجه من كل عسير، وييسر له رزقًا لا من حيث لا يرجو ولا يخطر بباله، ولو كان يخطر على باله سببه ما كان ذلك إعجازًا.

([1])أخرجه أحمد (3712)، وأبو يعلى (5297)، والشاشي (282) ، والطبراني (10352)،

والحاكم(1/ 509) والبزار (3122/ كشف)، وابن السني (242). وابن حبان (972)، وقال إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح