خطبة بعنوان (المهنُ في الإسلامِ طريقُ العمرانِ والإيمانِ معًا) للدكتور أيمن حمدى الحداد


خطبة بعنوان (المهنُ في الإسلامِ طريقُ العمرانِ والإيمانِ معًا)
للدكتور : أيمن حمدى الحداد

نص الخطبة
الحمد لله رب العالمين أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائم على كل نفس عملت والمجازي لها بما كسبت، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله خير من حمل لواء العلم والعمل وفتح أبواب الرجاء والأمل اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح فكانوا ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: لقد دعانا ديننا الحنيف إلى إعمار الكون والنظر فيما أودعه الله في الأرض من خيرات وأقوات، وهذه من أهم مهام الإستخلاف في الأرض؛ قال تعالى:﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة: ٣٠)، ولكى تتحقق عمارة الكون فلا بد من تنمية المهارات المهنية فى شتى الميادين حتى يستطيع الإنسان تسخير المادة والقيام بمهمته فى هذه الحياة.

♦ أولاً: تنوع المهن ودوره فى الإعمار؛ لقد أودع
ربنا تبارك وتعالى في الكون ثروات عظيمة مما جعل المهن تتنوع وتتعدد حتى يتم استغلال تلك الثروات فى إعمار الكون وفى نفع الإنسانية؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾(فصلت: ١٠)، وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾(يس: ٣٣ – ٣٥)، وهذه إشارات القرآن إلى أهمية المهن التى تنفع الإنسانية من ذلك؛

– المهن الزراعية؛ لقد عُنى القرآن الكريم بالحديث عن الزراعة لما تمثله من أهمية لحياة الإنسان؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(الأنعام: ١٤١)،

وأشار القرآن الكريم إلى أهمية مهنة الزراعة لأنها مصدر القوت للإنسان والدواب؛ قال تعالى:﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾(عبس: ٢٤ – ٣٢)،

ولقد أُجريت الأبحاث العلمية الكثيرة من أجل
تطوير مهنة الزراعة، ولا يزال المتخصصون
يواصلون البحث من أجل الإستفادة منها لأنها تمثل مصدراً أساسياً للتنمية الإقتصادية.

– المهن المتعلقة بالإنتاج الحيوانى؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾(غافر ٧٩- ٨٠)، لقد جعل الله عز وجل للإنسان عبرة فيما يخرجه من بطون الأنعام من لبن تقوم به مهنة وصناعة تُعرف بصناعة الألبان يجد فيها الناس غذاءً شهياً؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾(النحل: ٦٦)،

ثم يبين سبحانه وتعالى ما ينتفع به الناس من جلود الحيوانات وما يتخذونه من متاع وهذه من أهم المهن التى عرفها الإنسان من قديم؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾(النحل: ٨٠)، والمتأمل يجد أن كثيراً من الدول تهتم بتطوير هذه المهنة لما فيها من منافع متعددة تقو م عليها صناعات كثيرة.

– المهن المتعلقة بالمعادن؛ إن الثروة المعدنية لها أهميتها وقيمتها الكبرى لا سيما في عصرنا الحديث عصر الآلة والميكنة ونحن نسمع عن دول صناعية كبرى كاليابان وألمانيا، وغيرها والمتأمل في القرآن الكريم يجده يتحدث عن بعض المعادن وبما بها من منافع للناس؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾(الحديد: ٢٥)، فسميت السورة باسم الحديد لما له من أهمية كبيرة في الصناعات المدنية والعسكرية، وعند الحديث عن دواد عليه السلام بين أنه عز وجل طوع له الحديد وأمره بإحكام الصناعة؛ قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(سبأ: ١٠ -١١)،

وعند حديث القرآن الكريم عند سد يأجوج ومأجوج بين لنا أنه من شدة إحكام السد فقد استخدم الحديد والنحاس في إقامته قال تعالى: ﴿آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف ٩٦-٩٧)،

– المهن البحرية؛ لقد أودع الله عز وجل في البحار ثروات طائلة من اللؤلؤ والمرجان فيها منافع كثيرة للناس، وكذلك أودع الله البحار والمحيطات الثروة السمكية، وجعل جريان السفن فيها ليفتح المجال أمام الناس للعمل بمهن كثيرة ومتعددة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(فاطر: ١٢)،

– المهن التجارية؛ لقد حرص الإسلام على كل ما فيه خير للإنسانية لذلك جعل تعاون البشر من أجل أعمار الكون أساساً مشتركاً بين الناس جميعاً قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: ٢)،

ونظراً لحاجة الناس إلى التبادل التجاري فقد شرع الله البيع والشراء وحرم أكل الأموال بالباطل؛ قال تعالى:﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾(البقرة: ٢٨٢)، ولقد عمل بمهنة التجارة كثير من الأنبياء والمرسلين وكان خاتمهم ﷺ يعمل بالتجارة في مال السيدة خديجة رضي الله عنها.

♦ ثانياً: الإسلام يُعلى من قيمة المهن؛ لقد أعلى ديننا الحنيف من شأن المهن وأمر بالسعى؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(الجمعة: ١٠)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾(الملك: ١٥)، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾(المزمل: ٢٠)، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ أطيبَ ما أَكَلتُمْ من كسبِكُم» رواه الترمذي.

وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «منْ أمسَى كالًّا منْ عَمِلَ يَدِيْهِ أَمْسَى مَغفُورًا لهُ» رواه الطبراني في المعجم الأوسط،، وفي سنده مقال.
– لقد كان سيدنا رسول الله ﷺ حريصاً على تعليم أصحابه عليهم رضوان الله المهن النافعة التى تحفظ للإنسان ماء الوجه وتعفه هو ومن يعول؛ فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ» رواه البخارى.

وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال رسول الله
ﷺ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الحَطَبِ علَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وجْهَهُ خَيْرٌ له مِن أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» رواه البخارى.
– ولقد كان من هدى سيدنا رسول الله ﷺ تحويل البطالة إلى طاقة إنتاجية؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النبي ﷺ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «أَمَا في بَيْتِكَ شَىْءٌ»؟ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: «ائْتِنِى بِهِمَا» فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ.

وَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِى هَذَيْنِ»، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِىَّ وَقَالَ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَاماً فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُوماً فَأْتِنِى بِهِ»، فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ عُوداً بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً» فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْباً وَبِبَعْضِهَا طَعَاماً. فَقَالَ ﷺ: «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِىءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً في وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ لِذِى فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِى غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِى دَمٍ مُوجِعٍ» أبو داود وأحمد وابن ماجة.

– قال لقمان الحكيم لابنه: يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاث؛ استخفاف الناس به فاعمل وكل، فإن الله يحب من يعمل ويأكل ولا يحب من يأكل ولا يعمل،،

يا بني لا تُذهب ماء وجهك بالمسألة!!
– وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» متفق عليه.

– ورُوِيَ أَنَّ أمير المؤمنين عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فَسَأَلَ أَحَدَهُمْ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ يَأْتِينِي بِرِزْقِي كَيْفَ شَاءَ فَتَرَكَهُ وَمَضَى إلَى الثَّانِي فَسَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ أَخًا يَحْتَطِبُ فِي الْجَبَلِ فَيَبِيعُ مَا يَحْتَطِبُهُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَأْتِيه بِكِفَايَتِهِ فَقَالَ لَهُ: أَخُوك أَعْبَدُ مِنْك ثُمَّ أَتَى الثَّالِثَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَرَوْنِي فَيَأْتُونِي بِكِفَايَتِي فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ لَهُ اُخْرُجْ إلَى السُّوقِ!!

– وذُكر أن كسرى خرج يوماً يصطاد فوجد شيخاً كبيراً يغرس شجر الزيتون. فوقف عليه وقال له:
«يا هذا أنت شيخ هرم!! والزيتون لا يثمر إلا بعد سنوات طوال فلِمَ تغرسه؟!
فقال: أيها الملك زرع لنا من قبلنا فأكلنا فنحن نزرع لمن بعدنا فيأكل، فأمر له بألف دينار،، فيض القدير.

فاتقوا الله عباد الله: واعلموا أن تقدم الأممِ وازدهارها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسعى أبنائها وتطلُّعاتهم واهتمامهم بالمهن التي تُسهم في بناءِ الأمة؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(التوبة: ١٠٥)،

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لى ولكم. الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: لقد حظيت المهن النافعة والشريفة بمنزلة خاصة واحترام عظيم في دين الله رب العالمين؛ فعن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» رواه أحمد.

(والفسيل صغير النخل)، وهذا أبلغ دليل على أن العمل مطلوب لذاته، والمسلم عليه أن يظل عاملاً منتجاً حتى نهاية الحياة وهذه قِمَّة الإيجابية.

♦ ثالثاً: الإتقان المهنى؛ إن اتقان الإنسان فى مهنته مطلب شرعى فيؤدى العمل دون خلل ويلتزم بمتطلبات ذلك العمل من التقيد بضوابط وتقنيات معينة، وأداؤه في الوقت المحدد دون تأخير؛ قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(البقرة: ١٩٥)، وعن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ» رواه الطبرانى.
– وربنا تبارك وتعالى أبدع وأحسن كل شىء خلقه؛ قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾(النمل: ٨٨)؛ وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾(السجدة: ٧)،
– ولقد حثَّ ديننا الحنيف على الإحسان فى كل شىء؛ فعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَه، فليُرح ذبيحته» رواه أبو دواد.
– إننا في حاجة ماسة إلى إتقان العمل، وعدم الغش والخداع، وخاصة أن البعض قد يُغلب مصلحتة الشخصية ومنفعتة المادية فيسىء العمل ولا يراعى الجودة والإتقان!!

–إننا بحاجة إلى غرس مراقبة الله عز وجل في نفوسنا ونفوس أبنائنا، في جميع أحوالنا وأعمالنا، في ضعفنا وقوتنا، في غنانا وفقرنا، في حركاتنا وسكناتنا؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(المجادلة: ٧)،

– لقد اشتكى الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من غشِّ بائعي اللبن بالماء، فأمر أحد رجاله بأن ينادي في بائعي اللبن بألا يغشون اللبن، فدخل المنادي إلى السوق ونادى: يا بائعي اللبن، لا تَشُوبوا اللبن بالماء، فتغُشُّوا المسلمين، ومن يفعل فسوف يعاقبه أمير المؤمنين عقابًا شديداً.

وفي ذات ليلة خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع خادمه – أسلم – ليتفقد أحوال المسلمين في جوف الليل، وفي إحدى الطرق جلس ليستريح من التجوال إلى جانب أحد الجدران، فإذا به يسمع امرأة تقول: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه – أي اخلطيه – بالماء، فقالت الابنة: يا أُماه، وما علمتِ ما كان من عَزْمَة أمير المؤمنين اليوم؟! قالت الأم: وما كان من عزمته؟ قالت: إنه أمر مناديًا فنادى: لا يُشَابُ اللبن بالماء، فقالت الأم: يا بُنيَّتي، قومي إلى اللبن فامْذقيه بالماء فإنك في موضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر، فقالت الصبية: والله ما كنت أطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، إن كان عمر لا يرانا، فربُّ أمير المؤمنين يرانا، ولَما سمع عمر بن الخطاب ذلك أُعجِب بالفتاة لمراقبتها وخشيتها لله، وقال: يا أسلم، حدِّد الباب بعلامة، واعرِف الموضع، ثم مضى، فلما أصبح قال: يا أسلم، امضِ إلى الموضع فانظر من القائلة؟ ومن المقول لها؟ وهل لهما من بعل – زوج – فذهب أسلم إلى المكان، فوجد امرأة عجوزًا، وابنتها أم عمارة، وعلم أنْ ليس لهما رجل، ثم عاد فأخبر عمر بن الخطاب.

دعا عمر بن الخطاب أولاده، فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوِّجه، ولو كان بأبيكم حَركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية، فقال عبد الله بن عمر: لي زوجة، وقال أخوه عبد الرحمن: لي زوجة، وقال ثالثهما عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوَّجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتًا، ولدت هذه البنت ابنة صارت أم “عمر بن عبد العزيز”، خامس الخلفاء الراشدين – رضي الله عنه – إنها أم عمارة بنت سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي.

فأكرمها الله في الدنيا بزواجها من ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وجعل من نسلها أميرًا للمؤمنين هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الذي ملأ الأرض عدلًا ورحمة.
– إن تخلُّف المسلمين عن ركب الحضارة في هذا العصر من أهم أسبابه فساد الضمائر والتخلى عن
منهج الإسلام فى اتقان العمل واحسانه.

– ولقد حذر ديننا الحنيف من كل مظاهر الإساءة فى العمل من إهمال أو غش؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه؛ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ: «مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا فقالَ: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قالَ أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي» رواه مسلم.

فاتقوا الله عباد الله: وأحسنوا فيما أقامكم فيه ربكم جل وعلا من المهن والأعمال تفوزوا برضوانه فى الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وأقم الصلاة