خطبة بعنوان (المهنُ فِي الإسلامِ طريقُ العمرانِ والإيمانِ معًا) للدكتور مسعد الشايب
22 يناير، 2026
خطب منبرية

خطبة بعنوان (المهنُ فِي الإسلامِ طريقُ العمرانِ والإيمانِ معًا)
للدكتور : مسعد الشايب
الجمعة الموافقة 4 من شعبان 1447هـ الموافق 23/1/2026م
أولا: العناصر:
-
العمران ثلث مقاصد الدين، ومن طريق الإيمان.
-
مهن، وحرف، وصناعات شريفة جاءت في القرآن والسنة.
-
الخطبة الثانية: (من أخلاق المهن والحرف والصناعات في الإسلام).
ثانيا: الموضوع:
الحمد لله رب العالمين، سبحانه سبحانه، تقدس في الأزل عن الشبيه والنظير، هو الغني عن خلقه، والعبد إليه فقير، هو الغني عن خلقه؛ فلا أمد يحصره، ولا أحد ينصره، ولا ضياء يظهره، ولا حجاب يخفيه، سبحانه، سبحانه واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ لا شك فيه، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَى آلِهِ وصحبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ، وبعد:
-
((العمران ثلث مقاصد الدين، ومن طريق الإيمان))
أيها الأحبة الكرام: فمن الحكم التي خلقنا الله (عزّ وجلّ) من أجلها، عمران الأرض، واستخراج ثرواتها وكنوزها، وصدق الله إذ يقول متحدثًا عن لسان نبيه صالح (عليه السلام): {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}[هود:61]، أي: طلب منكم عمارتها، واستخراج كنوزها وخيراتها، وإحياء مواتها.
وهذا لن يتحقق إلا بالمهن، والحرف والصناعات، فالعمل والإنتاج والبناء ضرورة من ضرورات البشرية، وهو قوام الحياة؛ لا تقوم الحياة، ولا تستقيم، ولا تستقر إلا به، فلا تتصور حياة بدون عمل وإنتاج وبناء عند جميع العوالم والمخلوقات والكائنات، عند عالم الحيوان، والطير والحشرات، وعند بني الإنسان.
فعمران الأرض بالعمل في المهن، والحرف، والصناعات مقصد من مقاصد الدين، بل هو ثلث مقاصد الدين، فالعمران للأرض ليس ش شأنًا هامشيًا، ولا خارجيًا بعيدًا عن الدين الإسلامي، بل هو ركن أصيلٌ منه، فالله (عزّ وجلّ) خلقنا لحكم ثلاثة:
أولها: العبادة، التي تقوي صلتنا بالحق تبارك وتعالى، وصدق الله إذ يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ*إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات:56 ـ 58].
ثانيها: خلافة الحق تبارك وتعالى في الأرض، وصدق الله إذ يقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[البقرة:30]، أي: خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه، وأوامره، وتنفيذ قضاياه، ووصاياه. (تفسير البغوي بتصرف).
ثالثها: عمارة (عمران) الأرض، بالمهن، والحرف، والصناعات كما تقدم.
فإذا أخللنا بحكمة من هذه الحكم الثلاث، فقد أخللنا بمقصد أصيل من مقاصد الدين، وتعطيل العمران للأرض، أو الإعراض عنه أو إفساده يعد تعطيلًا لجزء معتبر من الدين، فالمهن، والحرف، والصناعات، والعمل عمومًا ليس مجرد وظيفية دنيوية، بل هو ميدان إيمان عملي يتسابق فيه المتسابقون، ويتنافس فيه المتنافسون، وأدل دليل على ذلك أن الإيمان قرن بالعمل في القرآن الكريم.
فلو تأملنا في القرآن الكريم لوجدنا أن كلمة (عمل) ومشتقاتها؛ (يعملون)، (تعملون)، (عاملون) والمرادف لها؛ (صنع)، (ينعون)، (تصنعون)، وردت في القرآن الكريم ما يقارب (330) مرة، منها: ما يزيد على المائة (100) مرة وردت مقرونة بالإيمان، مما يدل على أن العمل قرين الإيمان، فالمؤمن الحق هو الذي يعمل وينتج ويبني فينفع نفسه وينفع غيره، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}[النساء:124]، ويقول سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[فاطر:10]، ويقول الحسن البصري (رحمه الله): (إنَّ الإيمانَ ليسَ بالتَحَلّي ولا بالتَّمَنِّي؛ إنَّما الإيمانُ ما وَقَرَ في القلبِ، وَصَدَّقَهُ العَمَلُ)(مصنف ابن أبي شيبة).
وهنا قد يعترض معترض ويقول: إن العمل الصالح الذي قرن بالإيمان في آيات القرآن هو العمل للأخرة فقط!.
وأقول له: هو العمل للدنيا كما هو العمل للأخرة بدليل قول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:77]، فالعمل كما يكون للأخرة يكون أيضا للدنيا بعماراتها، واستثمار خيراتها للوصول إلى مستوى أفضل من المعيشة، والتمدن والتحضر، وهذا أيضا من الإيمان، ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على العمل والإنتاج والبناء في أحرج اللحظات، وأضيق الأوقات، فعن أنس (رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)(رواه أحمد)، بالله عليكم تأملوا في هذه الدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم للعمل من أجل الدنيا في وقت الأخرة، دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم للعمل في أحرج اللحظات والأوقات مما يدل على أن العمل قرين الإيمان.
-
((مهن، وحرف، وصناعات شريفة جاءت في القرآن والسنة))
أيها الأخوة الأحباب: لقد أشار القرآن الكريم إلى العديد من المهن والحرف والصناعات، وأحصى العلماء، والفقهاء أكثر من مئتي مهنة وحرفة، وجدت في العصر النبوي الشريف، منها:
1ـ التشييد والبناء والهندسة المعمارية، وممن عرف بذلك نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، فقد قام ببناء الكعبة بيت الله الحرام، وعاونَه في بنائها ولدُه نبي الله إسماعيل (عليه السلام)، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[البقرة:127]، وها هو ذو القرنين في رحلته إلى شمال الكرة الأرضية يتطوع ببناء سد لمن يعيشون بين السدين ليقيهم من مفاسد يأجوج ومأجوج‘ قال تعالي: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا*حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا*قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا*قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا*آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا*فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}[الكهف:92ـ97].
وانظروا إلى الفرعون وهو يخاطب وزيره هامان، يقول الحق تبارك وتعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}[القصص:38]، والصَّرْح: هو كلُّ بناءٍ متَّسع مرتفع أو هو القصر العالي، والفرعون هو أول من صنع له الصرح، ومنها:
2ـ الحدادة ونفخ الكير: وتعني صناعة الأشياء النافعة والجميلة والأسلحة الحربية، من الحديد المطاوع أو الصلب عن طريق تشكيله باستخدام أدوات الطرق واللي والقطع والتسخين، وممن عُرف بذلك نبي الله داودُ (عليه السلام) فقد كان حدادًا يصنَع الدروع، حتى قال ربنا عنه: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ*وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ}[الأنبياء:80،79]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ*أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[سبأ:11،10]، أي: أحكم نسج الدروع وصناعتها، وقال (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِير…)(اللفظ لمسلم)، وقد اشتهر بذلك أبو سيف القين (الحداد) ظئر (مرضع) إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه البراء بن أوس، ومنها:
3ـ الفلاحة والزراعة، وهي من أهم أسباب تحقيق الأمن الغذائي للأمم والمجتمعات، فالله (عزّ وجلّ) يقول على لسان يوسف (عليه السلام) يفسر لأهل مصر رؤيا الملك، ويدعوهم للزراعة وتخزين الغلال استعدادًا للمجاعة التي ستضرب مصر: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ*ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ*ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}[يوسف:47ـ49].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ (ينقصه ويأخذ منه) إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ)(رواه مسلم)، ومنها:
4ـ صناعة الآلات الحربية: كالمدافع والطائرات والدبابات…الخ، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحديد:25]، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: 60]، ثم قال مفسرًا له: (أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)(رواه مسلم)، وثبت أن النبي (صلّى الله عليه وسلم) رمى أهل الطائف بالمنجنيق، وأن نفرا من أصحابه (صلّى الله عليه وسلم) ورضي عنهم زحفوا إلى جدار الطائف ليخرقوه تحت دبابة، وأن ذلك المنجنيق أول منجنيق رمي به في الإسلام، وأن تلك الدبابة أول دبابة صنعت في الإسلام. (الدلالات السمعية)، ومنها:
5ـ صناعة النسيج والملابس: قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}[الأعراف:26]، أي: خلقنا لكم، أو ألهمناكم كيفية صنعه، أو أنزلنا المطر الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباسًا، (وَرِيشًا) أي: جمالا وزينة، وسترًا ومعاشًا، وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}[النحل:81].
وعن سهل بن سعد (رضي الله عنه)، قال: جاءت امرأة ببردة، قال: أتدرون ما البردة؟. فقيل له: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، اكسنيها. فقال: (نَعَمْ). فجلس النبي (صلى الله عليه وسلم) في المجلس، ثم رجع، فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه. (رواه البخاري).
6ـ صناعة الخزف والأدوات المنزلية: وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}[النحل:80]، وقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ*يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}[سبأ:13،12]، فقد أسال الله (عزّ وجلّ) له عين نُحاس تسيل كما يسيل الماء، وكانت الجن مسخرة تحت يديه تصنع له ما يشاء من (مَحَارِيبَ) وهي: القصور، والمساجد، والمساكن, قال أبو عبيدة: محراب الدار أشرف موضع فيها , ولا يكون إلا أن يرتقى إليه. {وَتَمَاثِيلَ} وهي الصور، ولم تكن يومئذ محرمة، فقد كانت طواويس وعقابًا ونسورًا على كرسيه ودرجات سريره لكي يهاب من شاهدها أن يتقدم، وكانت تلك الصور من النحاس أو الرخام وشبَهه، وقيل: كانت صور الأنبياء من قبله, {وِجِفَانٍ} وهي صحاف، {كَالْجَوَابِ} قيل: كالحياض, وقيل: كالحائط، {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} أي: عظام, وقيل: أثافيها منها, وقيل: ثابتات لا يزلن عن أماكنهن، مأخوذ من الجبال الرواسي لثبوتها وثبوت الأرض بها، وقد ذكر أن تلك القدور كانت باليمن أبقاها الله تعالى آية وعبرة.
أيها الأخوة الأحباب: من أراد أن يقف على بقية المهن، والحرف، والصناعات التي كانت في العصر النبوي الشريف؛ فعليه بكتاب: (تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية) لعلي بن محمد بن أحمد بن موسى بن سعود الخزاعي المتوفى: (۷۸۹هـ).
عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب كمَنْ لا ذنب له
(الخطبة الثانية)
((من أخلاق المهن والحرف والصناعات في الإسلام))
الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الأحبة الكرام: مازال الحديث بنا موصولا مع المهن والحرف والصناعات، وكونها محققة للعمران والإيمان معًا، ولا يتبقى لنا في تلك الجمعة المباركة إلا الحديث عن بعض أخلاقيات هذه المهن…في الشريعة الإسلامية، وأهم هذه الأخلاقيات:
1ـ تقديم الكفاءات، واحترام التخصص، فعن أبي هريرة ﭬ، قال: بينما النبي ﷺ فِي مَجْلِس يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْم: سمع ما قال فكرة ما قالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعُ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: (أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟). قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِذَا ضُيْعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ). قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: (إِذَا وُسْدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)(رواه البخاري).
وعن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني (تجعلني عاملا لك على فتوليني أمرا من أمور المسلمين)، قال: فضرب بيده على منكبي (كتفي) ثم قال: (يَا أَبَا ذَرُ ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَهُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةً ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقْهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)(رواه مسلم). (إِنَّكَ ضَعِيفٌ) أي: ضعيف الإدارة، ضعيف الخبرة، ضعيف القيادة، لا ضعف إيمان، وحاشاه، ومنها:
2ـ الإخلاص، بأداء المهنة والحرفة والصنعة لوجه الحق تبارك وتعالى، لا نؤديها سمعة، ولا رياء، ولا فخرا، ولا مباهاة، أو لغرض دنيوي غير مشروع…وهكذا، فالحق تبارك وتعالى يقول: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام:163،162]، وخاطبه قائلا: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}[الزمر:2]، وقد حذرنا القرآن الكريم من الرياء في العبادة والطاعة، وبين أنه من صفات المكذبين بالدين، وتوعدهم بالويل، فقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ*فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ*وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ*فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ*الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ*وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[الماعون].
وقال صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)(رواه مسلم)، ومنها:
3ـ إتقان المهنة، والصنعة، والحرفة، وعدم غشها أبدًا، بتغييره مادتها كليًا أو جزئيًا، أو يبدلها بمادة رديئة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ)(مسند أبي يعلى)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)(رواه مسلم)، ومنها:
4ـ عدم المشقة على الناس، بأي نوعٍ من أنواع المشقة، وعدم منع الصناعات التي يحتاجها الناس وعدم الضن بها عليهم؛ كالحديد مثلًا فمنع بيعه يشبه الاحتكار في السلع الأساسية التي يحتاجها الناس من المواد الغذائية، فعن عائشة (رضي الله عنها)، سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول في بيتي هذا: (اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ)(رواه مسلم)، ومنها:
5ـ الوفاء بالوعد دائمًا، وعدم التأخر في إنجاز الحرفة، والصنعة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة:1]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}[المعارج:32]، وقال صلى الله عليه وسلم: (اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)(رواه أحمد)، ومنها:
6ـ عدم إغلاء الأسعار، والتربح منها ربحًا معقولا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم محرمًا المغالاة في الأسعار: (مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(رواه أحمد)، ومنها:
7ـ عدم تنفق السلعة (تروجيها) بالحلف الكاذب؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[آل عمران:77]، ولقوله (صلى الله عليه وسلم): (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قال: فقرأها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرارا، قال أبو ذر (رضي الله عنه): خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟. قال: (الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)(رواه مسلم)، وقال أيضًا: (يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ، وَبَرَّ، وَصَدَقَ)(رواه الترمذي).
فاللهمّ إنّا نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.