خُطْبَةُ بعنوان : (الْمِهَنُ فِي الْإِسْلَامِ طَرِيقُ الْعُمْرَانِ وَالْإِيمَانِ مَعًا) للشَّيْخِ أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ


خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ بعنوان : (الْمِهَنُ فِي الْإِسْلَامِ طَرِيقُ الْعُمْرَانِ وَالْإِيمَانِ مَعًا)

لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ :  أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

 

لتحميل pdf الخطبة اضغط أدناه
almehn fe aleslam – alfasne

 

 بتاريخ ٤ شَعْبَان ١٤٤٧ هـ – ٢٣ يَنَايِر ٢٠٢٦ م

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

١. نَظْرَةُ الْإِسْلَامِ لِلْعَمَلِ: عِبَادَةٌ، وَأَمَانَةٌ، وَشَرَفٌ.

٢. الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَرْبَابُ حِرَفٍ وَمِهَنٍ (مَوَاقِفُ وَعِبَرٌ).

٣. الْعُمْرَانُ وَالْإِيمَانُ: كَيْفَ تَكُونُ الْمِهْنَةُ سَبِيلًا لِلْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ؟

٤. مَنْظُومَةُ الْقِيَمِ فِي الْمِهَنِ: الْإِتْقَانُ، الْأَمَانَةُ، وَالنُّصْحُ.

٥. قَصَصٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فِي مَيَادِينِ الْكَسْبِ.

٦. دَوْرُ الْمِهَنِ الْمُعَاصِرَةِ فِي بِنَاءِ الْأَوْطَانِ وَتَحْقِيقِ الِاسْتِخْلَافِ.

 الْخُطْبَةُ الْأُولَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَرْضَ لِلْأَنَامِ، وَأَمَرَنَا بِعِمَارَتِهَا عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ، وَجَعَلَ الْعَمَلَ سَبِيلًا لِلْعِزَّةِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدْوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ سَعَى فِي كَسْبٍ حَلَالٍ، وَأَكْرَمُ مَنْ نَصَحَ لِلْأُمَّةِ فِي كُلِّ حَالٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.. أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ دِينَكُمُ الْإِسْلَامَ لَمْ يَأْتِ لِانْعِزَالِ النَّاسِ فِي الصَّوَامِعِ وَالْمَحَارِيبِ فَقَطْ ، بَلْ جَاءَ لِيَجْعَلَ الْأَرْضَ مَيْدَانًا لِلْعِبَادَةِ ، وَالْمِهَنَ طَرِيقًا لِلسَّعَادَةِ. إِنَّ مَوْضُوعَنَا الْيَوْمَ يَمَسُّ صَمِيمَ حَيَاتِنَا؛ فَكُلُّ صَاحِبِ مِهْنَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ طَبِيبًا يُدَاوِي، أَمْ مُهَنْدِسًا يَبْنِي، أَمْ عَامِلًا يَصْنَعُ، أَمْ فَلَّاحًا يَزْرَعُ، هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَابِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مِحْرَابِ عَمَلِهِ، إِذَا أَخْلَصَ النِّيَّةَ وَأَحْسَنَ الصَّنْعَةَ.

١. نَظْرَةُ الْإِسْلَامِ لِلْعَمَلِ: عِبَادَةٌ وَأَمَانَةٌ

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، إِنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِجَمْعِ الْمَالِ، بَلْ هُوَ “فَرِيضَةٌ” بَعْدَ الْفَرِيضَةِ. يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَبُ كَسْبِ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ» (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ). فَالْمُسْلِمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ كَادِحًا لِيَعُولَ أُسْرَتَهُ، وَيَسُدَّ حَاجَةَ مُجْتَمَعِهِ، هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

لَقَدْ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَى الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ! فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ).

٢. الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَرْبَابُ حِرَفٍ وَمِهَنٍ

تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللَّهِ- كَيْفَ رَبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْمِهْنَةِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْقُصُ مِنْ قَدْرِ الصَّالِحِينَ، بَلْ يَزِيدُهُمْ رِفْعَةً:

 * سَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ نَجَّارًا، صَنَعَ السَّفِينَةَ بِوَحْيِ اللَّهِ لِيُنْقِذَ الْبَشَرِيَّةَ، فَكَانَتْ مِهْنَتُهُ سَبَبَ النَّجَاةِ.

 * سَيِّدُنَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ خَيَّاطًا، وَقِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَاطَ الثِّيَابَ، وَكَانَ لَا يَغْرِزُ إِبْرَةً إِلَّا وَيَقُولُ: “سُبْحَانَ اللَّهِ”، فَكَانَ يَمْزُجُ عَمَلَ يَدِهِ بِذِكْرِ لِسَانِهِ.

 * سَيِّدُنَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ حَدَّادًا، يَصْنَعُ الدُّرُوعَ لِحِمَايَةِ الْجُنُودِ، وَقَدْ مَدَحَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، وَقَالَ عَنْهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 * سَيِّدُنَا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ نَجَّارًا، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ.

 * سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَعَى الْغَنَمَ فِي صِغَرِهِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالتِّجَارَةِ، فَكَانَ يُلَقَّبُ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، فَمَهَّدَتْ لَهُ مِهْنَتُهُ طَرِيقَ الدَّعْوَةِ.

٣. الْعُمْرَانُ وَالْإِيمَانُ: كَيْفَ تَلْتَقِي الصَّنْعَةُ مَعَ الطَّاعَةِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّ كُلَّ لَبِنَةٍ يَضَعُهَا الْبَنَّاءُ، وَكُلَّ دَوَاءٍ يَصِفُهُ الطَّبِيبُ، وَكُلَّ حَرْفٍ يُعَلِّمُهُ الْمُعَلِّمُ، هُوَ جُزْءٌ مِنْ عِمَارَةِ الْأَرْضِ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِهَا: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. الْإِيمَانُ لَيْسَ تَمْتَمَةً بِالشِّفَاهِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ يَدْفَعُ لِلْإِنْتَاجِ.

الْمُسْلِمُ الصَّانِعُ حِينَمَا يَصْنَعُ شَيْئًا يَنْفَعُ النَّاسَ، فَإِنَّهُ يُحَقِّقُ مَعْنَى “الْخِلَافَةِ” فِي الْأَرْضِ. إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي لَا تَمْلِكُ مِهْنَتَهَا، لَا تَمْلِكُ إِرَادَتَهَا. لِذَلِكَ جَعَلَ الْفُقَهَاءُ تَعَلُّمَ الصِّنَاعَاتِ وَالْمِهَنِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمُجْتَمَعُ (فَرْضَ كِفَايَةٍ)؛ فَإِذَا خَلَا الْمُجْتَمَعُ مِنْ حَدَّادٍ أَوْ نَجَّارٍ أَوْ طَبِيبٍ، أَثِمَ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ.

٤. مَنْظُومَةُ الْقِيَمِ فِي الْمِهَنِ: الْإِتْقَانُ وَالْأَمَانَةُ

لَا يَكُونُ الْعَمَلُ عِبَادَةً إِلَّا بِشَرْطَيْنِ:

أَوَّلًا: الْإِتْقَانُ: يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ). الْإِتْقَانُ هُوَ “إِحْسَانُ الْعَمَلِ”، وَهُوَ مِعْيَارُ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الصُّنَّاعِ.

ثَانِيًا: الْأَمَانَةُ: الْمِهْنَةُ أَمَانَةٌ، فَالطَّبِيبُ أَمِينٌ عَلَى الْأَرْوَاحِ، وَالْمُهَنْدِسُ أَمِينٌ عَلَى الْبُيُوتِ، وَالْمُوَظَّفُ أَمِينٌ عَلَى مَصَالِحِ الْخَلْقِ. وَمَنْ غَشَّ فِي مِهْنَتِهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ الشَّاعِرُ:

أَعْطِ الصَّنَاعَةَ حَقَّهَا وَارْعَ النُّهَى … فَاللَّهُ يَجْزِي مَنْ تَمَادَى فِي الْعُلَا

إِنَّ الْإِلَهَ يُحِبُّ عَبْدًا مُتْقِنًا … فَلْيَحْذَرِ الْمَرْءُ التَّقَاعُسَ وَالْقِلَا

٥. قَصَصٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فِي الْمِهَنِ

لَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَمَاذِجَ فَرِيدَةً فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْمِهْنَةِ:

 * سَيِّدُنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حِينَمَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، عُرِضَ عَلَيْهِ الْمَالُ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ: “دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ”. فَتَاجَرَ وَارْتَبَحَ، وَصَارَ مِنْ أَغْنِيَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: “لَقَدْ رَأَيْتُنِي لَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ تَحْتَهُ ذَهَبًا”؛ وَذَلِكَ لِبَرَكَةِ كَسْبِهِ وَأَمَانَتِهِ.

 * سَيِّدُنَا أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِمَامُ الْمَذْهَبِ، كَانَ تَاجِرًا لِلْخَزِّ (الْحَرِيرِ)، وَكَانَ مِثَالًا لِلْأَمَانَةِ؛ حَيْثُ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بِثَوْبٍ لِتَبِيعَهُ، فَقَالَتْ: بِعْهُ لِي بِمِائَةٍ، فَقَالَ: هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى اشْتَرَاهُ مِنْهَا بِأَرْبَعِمِائَةٍ! هَكَذَا يَكُونُ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ التَّاجِرِ.

 * سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ تَاجِرًا يَقُولُ: “لَوْلَا خَمْسَةٌ مَا اتَّجَرْتُ”، يَقْصِدُ خَمْسَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ تِجَارَتِهِ لِيَتَفَرَّغُوا لِلْعِلْمِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ..

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ رِسَالَةَ الْمِنْبَرِ الْيَوْمَ هِيَ دَعْوَةٌ لِإِحْيَاءِ “قِيمَةِ الْعَمَلِ” فِي نُفُوسِنَا وَأَبْنَائِنَا. إِنَّ كُلَّ مِهْنَةٍ شَرِيفَةٍ، مَهْمَا كَانَتْ بَسِيطَةً فِي نَظَرِ النَّاسِ، هِيَ تَاجٌ عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهَا إِذَا اتَّقَى اللَّهَ فِيهَا.

قِصَّةٌ مِنَ الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ:

يُحْكَى أَنَّ عَامِلَ نَظَافَةٍ فِي إِحْدَى الدُّوَلِ، وَجَدَ حَقِيبَةً مَلِيئَةً بِالْجَوَاهِرِ وَالْمَالِ، وَكَانَ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَرَدَّدْ لَحْظَةً فِي تَسْلِيمِهَا لِأَصْحَابِهَا. فَلَمَّا سُئِلَ: لِمَاذَا لَمْ تَأْخُذْهَا وَلَا يَرَاكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: “يَرَانِي رَبُّ الْأَحَدِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مَطْعَمِي حَلَالًا لِيَسْتَجِيبَ اللَّهُ دُعَائِي”. هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي نُرِيدُهُ فِي مَيَادِينِ الْعَمَلِ.

يَا شَبَابَ الْإِسْلَامِ، لَا تَحْتَقِرُوا مِهْنَةً، وَلَا تَنْتَظِرُوا الْوَظِيفَةَ الْمَكْتَبِيَّةَ فَقَطْ، بَلْ تَعَلَّمُوا الْحِرَفَ، وَأَتْقِنُوا الصَّنَائِعَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. وَتَذَكَّرُوا أَنَّ صَاحِبَ الْمِهْنَةِ الْأَمِينَ هُوَ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

الدُّعَاءُ:

اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، بَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَاجْعَلْ كَسْبَنَا حَلَالًا، وَعَمَلَنَا مُتَقَبَّلًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْعَوْنَ فِي بِنَاءِ أَوْطَانِهِمْ بِإِخْلَاصٍ وَإِتْقَانٍ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَعِنَّا عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ كَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى. اللَّهُمَّ اجْبُرْ خَاطِرَ كُلِّ كَادِحٍ شَرِيفٍ، وَارْزُقْ كُلَّ مُحْتَاجٍ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.