سارة والموت جوعا وخوفا

أ . د / عبدالغنى الغريب
أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

حينما يتحول الخوف والجوع إلى وسيلة تعذيب.
إن من أشدّ ما يبتلي اللهُ به عباده الخوفَ والجوع؛ إذ هما بلاءان إذا نَزلا بالإنسان عرَّيا ضعفه، وكشفا فقره، وأظهرا حاجته المطلقة إلى ربّه. وقد قرن القرآن الكريم بينهما اقترانَ تحذيرٍ وتنبيه، فقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، فجاء التعبير الإلهي ليؤكد أن الخوف والجوع امتحانان قاسيان، لا يثبت أمامهما إلا من ربط قلبه بالله، وسلَّم أمره لقضائه.

#والخوف إذا استبدّ بالإنسان قيّده، والجوع إذا طال أمده أهلكه، وقد استعاذ النبي ﷺ منهما معًا، فقال: عن أبي هُرَيْرةَ قالَ : كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ : اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الجوعِ ، فإنَّهُ بئسَ الضَّجيعُ ، وأعوذُ بِكَ منَ الخيانةِ ، فإنَّها بئستِ البِطانةُ. أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
لأن الجوع يُذلّ النفس، والخوف يُقوّض الكرامة، ولا يجتمعان في جسدٍ إلا وأوهناه.

#وفي قصص الصالحين شواهد كثيرة على قسوة هذين البلاءين حين يكونان قَدَرًا، لا ظلمًا؛ ابتلاءً من الله، لا عدوانًا من البشر. صبروا، فرفع الله ذكرهم، وبدّل خوفهم أمنًا، وجوعهم شبعًا، لأن البلاء إذا نزل من السماء كان معه لطف الله، أما إذا جاء من يد الإنسان، فقد صار جريمة مكتملة الأركان.

#وهنا يقف القلب واجمًا، والعقل مذهولًا، أمام ما وقع لتلك الفتاة البريئة سارة، التي لم يُصبها الخوف والجوع ابتلاءً من الله، وإنما ذاقتهما ظلمًا وعدوانًا، وعلى يد من كان أولى الناس بأن يطعمها من جوع، ويؤمّنها من خوف، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

#أيّ قلبٍ ذاك الذي يبيت شبعان وطفلته تتلوّى جوعًا؟

وأيّ فطرةٍ تلك التي تنام هادئة، وبريئةٌ ترتجف خوفًا خلف جدرانٍ صامتة؟

#لقد كان الخوف ينهش روحها قبل جسدها، وكان الجوع يفتك بها ببطء، حتى صار الموت عندها أهون من الحياة.

#إن ما جرى لسارة ليس مجرد مأساة فردية، بل جرحٌ في ضمير المجتمع، وسؤالٌ صارخ عن معنى الأبوة، وعن موقع الرحمة في قلوبٍ قست حتى نسيت قول النبي ﷺ: كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ. أخرجه البخاري ومسلم.

فأيُّ رعايةٍ هذه التي تنتهي بالموت؟ و
أيُّ مسؤوليةٍ تلك التي تُختَصر في القيود والحرمان؟

#لقد ابتلاها الله بالخوف والجوع معا، لكن ابتلاءها الأعظم كان في البشر، حين خانوا الأمانة، ودهسوا الفطرة، وسلخوا الرحمة من قلوبهم.

وما أقسى البلاء حين يأتيك الألم ممن ظننت فيه الأمان.

#رحم الله سارة، وجعل دموعها حجةً على من ظلمها، وصرختها شاهدَ إدانةٍ على كل قلبٍ ماتت فيه الرحمة، ونسأل الله أن يؤمّن كل خائف، ويشبع كل جائع، وأن لا يجعلنا يومًا سببًا في خوف إنسان، أو جوع طفل، أو كسر نفسٍ ضعيفة.

الأستاذ الدكتور/ غانم السعيد عميد كلية اللغة العربية بالقاهرة.

 اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يارب العالمين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا