الصناعات والحرف فى المدينة بعد الهجرة

المقال التاسع من سلسلة (هجرة النبى)
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

قامت في المدينة بعض الصناعات والحِرَف الضَّروريَّة؛ لتلبية متطلَّبات لا يستطيع أي مجتمع مستقرّ البقاء بدونها، كما قامت فيها بعض الصناعات التكميلية الأخرى كصناعة الحلي.

ومن أهمّ الصناعات التي قامت في المدينة، تلك الصناعات التي تعتمِد في مواردها الأوَّليَّة على المنتجات الزّراعيَّة المحلّيَّة، مثل تجفيف التّمور، وتَخزينها وإعدادها للبَيع وصنع الخمْر منها قبل تحريمه، كما استخْدم سعف النخيل وأليافه في عمل أدوات كثيرة مثل القفف والحصْر، وغير ذلك مما يحتاجه النَّاس لاستخدامه في الأعمال الزّراعيَّة والاستِعْمالات الشخصية في البيوت.

 ومن الصناعات التي كانت شائِعة في المدينة واعتمدت على الإنتاج الزّراعي أيضًا: حرفة النجارة؛ الَّتي نشطت لتوْفير متطلَّبات النَّاس المتزايدة لقطع الأثاث المنزلي كالكراسي والأسرَّة وما شابه ذلك مما يحتاجه الناس في بيوتهم، بالإضافة إلى عمل أبواب البيوت والنوافذ وغير ذلك من الأشْياء التي يستخدم الخشب في تصنيعها، وقد ساعد على انتِشار هذه الحرفة توافر الخشب في المنطقة، حيث يكثر شجَر الطرف والأثل في الجهة الشَّمالية من المدينة.

كما قامت صناعات أُخرى اعتمدتْ على بعض المنتجات الحيوانيَّة، نذكر من تلك الصناعات:

ـ دباغة جلود الحيوانات وخرازتها بعد دبغها لتحويلها إلى أدوات نافعة لاستعمال الناس.

ـ إعداد الصوف وتنظيفه وغزله ليصبح صالحًا لاستعماله في صناعة النسيج.

وممَّا يجدر ذكره أنَّ النساء كنَّ يعملن في بعض الصناعات السَّابقة، كالدباغة والخرازة والنسيج.

 ومن الصناعات التي اشتهرت بها المدينة: الحدادة، حيث كان الحدَّادون يصنعون الآلات التي يحتاجها المزارعون في أعمالهم الزّراعية، كالفؤوس والمحاريث والمساحي والمناجل، كما كانوا يُجيدون صناعة الأنواع المختلفة من الأسلحة، كالسيوف والدروع، والسَّكاكين وأدوات الصيد المختلفة وغير ذلك من الأدوات المعدنيَّة التي لا غنى للنَّاس عنها في حياتهم اليومية.

 واشتهرت المدينة أيضًا بالصياغة وصناعة الحلي والتُّحف المعدنيَّة المختلفة، وقد عمل بعضُ الأنصار في هذه الصّناعة، إلاَّ أنَّ اليهود اشتهروا أكثر باحتِراف هذه الصناعة، واختصَّ بها بنو قينقاع على وجه الخصوص، حيثُ كانت الصياغة هي الحرفة الرئيسة لهذا الحي من اليهود؛ إذْ يروى أنَّهم لم يعملوا بالزّراعة ولم تكن لهم بالتَّالي أراضٍ زراعيَّة في المدينة، وكانت لبني قينقاع سوق كبيرة تنسب إليْهم، يبيعون فيها ما يصنعون من مختلف أنواع الحلي والتُّحف المعدنيَّة وكانتْ لمصنوعاتهم شهرة واسعة في المنطقة، حيث كانت النساء يأْتين إلى سوقهم من مختلف الجهات لشراء ما يرغبْن فيه من أنواع الحلي المختلفة.

ويُروى أنَّه لمَّا أجلاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن المدينة وجد بحوزتِهم كميات كبيرة من مختلف أنواع الأسلحة المعروفة في ذلك الوقت، وعدد كبير من آلات الصياغة.

ـ وعمل بعضهم إلى جانب الحرف السَّابقة ببعض الأعمال الأخرى مثل التَّعدين وهو استخراج المعادن من الأرض.

ـ وكذلك عمل بعضهم في فنون النحت والتصوير والنقش.

ـ كما امتهن البعض الصيد.

ـ وعمل آخرون في الأسواق أعمالاً متنوِّعة مرتبطة بالبيع والشراء؛ كأن يعمل أحدهم حمالاً أو وزَّانًا يزن للناس ما يحتاجون إلى وزنه.

ـ كذلك احترف بعض أهل المدينة مهنًا أخرى كالخياطة والجزارة والحجامة وما شابه ذلك من أعمال، ويستدلّ من بعض الروايات أنَّه كان في المدينة مَن يحترف تعليم الصِّبيان القراءة والكتابة.

ـ وكانت مهنة الرعي من الأعمال التي كان يمارسها بعض أهل المدينة، فقد كانت لهم ثروة لا بأس بها من الإبل والماشية والخيول والأغنام التي تحتاج إلى الرعي، فكانوا يخرجون لرعيها في المناطق الصالحة للرَّعي مثل منطقة الغابة وغيرها.

ـ كما كان بعض سكَّان المدينة يعملون بمهنة الاحتِطاب من المناطق المحيطة بها، ويحضرون ما يستطيعون على جمعه لبيعه في الأسواق، فيشتريه الناس لاستعماله كوقود في الأغراض المنزلية أو لبيْعِه للحدَّادين والصَّاغة الذين يستعملونه كوقود في عملهم.

ـ كذلك كانت السقاية من الأعمال التي يزاولها البعض، وذلك بِحَمل الماء من الآبار البعيدة وتوْصيلها إلى بيوت النَّاس والمسجِد، وقد مارس الصناعات والحرف السابقة جميعُ أهل المدينة من عرب ويهود، وكان لبعضِهم غلمان وعبيد يعملون في بعض تلك الصّناعات والحرف لحساب ساداتِهم.

ويبدو أنَّ المهاجرين ومنذ قدومهم إلى المدينة لم يُقبلوا على الاشتغال بأي من تلك الصناعات والحرف، ولم ينصرف أحدٌ منهم للارتِزاق منها أو التكسب، حتَّى إنَّ بعض المهاجرين الَّذين اشتهروا باحتِراف بعض تلك المهن وإجادة صنعها في الجاهليَّة، لم أتمكَّن من العثور على ما يدل على أنَّهم اتَّجهوا إلى احترافها في المدينة بعد الهجرة، مثال ذلك خباب بن الأرت الذي كان يصنع السيوف في الجاهلية بمكة، ويبدو أنَّه ترك العمل بهذه المهنة بعد هجرته إلى المدينة، حيث لم أجِد ما يثبت أنَّه زاول هذه المهنة بعد الهجرة. كما يلاحظ أنَّ ذكر عمله بهذه المهنة كان دائمًا مقرونًا بالجاهليَّة، ولم يرتبط اسمه بهذه المهنة بعد هجرته، وهذا فيما يبدو دليلٌ على عدم احترافه لهذه المهنة في المدينة.

ولعلَّ السَّبب الذي جعل المهاجرين يبتعدون عن الاشتغال بالصناعات والحرف هو السبب نفسه الذي أبعدهم عن العمل بالزّراعة؛ وذلك لأنَّهم هاجروا من ديارهم وتركوا أهلهم وأموالهم بغية الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين، فكانوا لذلك يتجنَّبون الارتِباط بأي عمل من الأعمال التي تحتاج إلى الاستِقْرار أو الارتباط بما قد يشغلهم عن القيام بتحقيق الهدف الذي هاجروا من أجله، هذا إلى جانب انشغالهم بأمورهم الخاصَّة؛ إذْ لَم يكن لهم عبيدٌ يعملون في خدمتهم، فكانوا يشاركون في الأعمال العامَّة التي يشارك في أدائِها جميع المسلمين، مثل: بناء المساجد وبيوت أزْواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر الخندق، بالإضافة إلى الأعمال الأخرى التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلفهم بها مثل تعليم القرآن الكريم والإفتاء والأذان والتناوب في رعْي إبل وأغنام الصدقة والركاب المربوطة في سبيل الله، وحراسة النبي وكتابة الوحي والمكاتبات الأخرى مثل كتابة العهود والمعاملات.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوةً لأصحابه، فكان يشاركهم في جميع الأعمال العامَّة الَّتي يقومون بها، ويُروى أنَّه كان يقوم بنفسه بوسْم إبل وأغنام الصدقة، كما كان يخرج إلى السوق ليقضي بعض حوائجه بنفسِه، كما يروى أنَّه في بيته يكون في خدمة أهله يخصف النَّعل ويرقع الثياب.

وهكذا نَجد أنَّ المهاجرين من أصحاب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يَحترفوا في المدينة أيَّ عملٍ يتكسَّبون منه سوى التّجارة، أمَّا الذين لم يعْملوا بالتجارة، فقد تفرَّغوا كلّيًّا للجهاد وطلب العلم ومعاونة النبيّ صلى الله عليه وسلم في رعاية شؤون المسلمين، وكانوا عند الحاجة يقومون بأعمال يتكسَّبون منها، ولم نجد منهم من انصرف تمامًا إلى أيّ مهنة من المهن المعروفة في ذلك الوقت.

 لقد تبيَّن لنا من خلال العرض السَّابق لأحوال المهاجرين ومعيشتهم على عهْد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثُ اتَّضح لنا أنَّهم لم يشغلوا أنفُسَهم بأيّ من أمور الدنيا أو مكاسبها، بل نذروا أنفُسَهم لنصرة الدين، فكانوا بذلك نواة لجيش مسلم مرابط في سبيل الله، ينفر أفراده خفافًا لتلبية النداء في أي وقت، لا يشغلهم عن ذلك مال ولا أهل ولا ولد، يكتفون في معاشهم بما يحصلون عليه من غنائم، فينفقون منها على أنفسهم وفي سبيل الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على إطعامهم وتدبير معاشهم عندما ينفد ما يَحصلون عليه من غنائم.

 وتبين لنا أنَّ الزّراعة هي النشاط الرَّئيس لسكَّان المدينة من عرب ويهود حينما قدم المهاجرون إليها، ولم يشارك المهاجِرون في العمل بها كي يتفرغوا للجهاد في سبيل الله، وقد زاول بعض السكَّان بالمدينة التجارة.

وقد سمح الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه من المهاجرين بمزاولة التجارة لخبرتهم السَّابقة؛ حيث كان لديهم القدرة على الجمْع بين الجهاد في سبيل الله والاشتِغال بها، حيثُ إنَّ بعضَهم حقَّق ثروة عظيمة من التجارة، كما يوجد بالمدينة بعض الحرف والمهن التي عمل بها السكان مثل الصناعات والحرف، ولعلَّ السَّبب الذي جعل المهاجرين يبتعدون عن مزاولة تلك المهن هو السَّبب نفسه الذي أبعدهم عن العمل بالزراعة، فالمهاجرون كانوا يتجنَّبون الارتباط بأيّ عمل من الأعمال التي تؤدّي إلى الاستقرار، ممَّا قد يشغلهم عن القيام بتحقيق الهدَف الذي هاجروا من أجله. وبالرَّغم من عدم ارتباط المهاجرين بعمل دائم بقصْد التكسب، فإنَّهم كانوا مع ذلك لا يفرغون، فإمَّا في جهاد وغزو، أو يقومون بمساعدة النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يكلّفهم به من أعمال، هذا بالإضافة إلى قيامهم بخِدْمة الرسول صلى الله عليه وسلم والسَّهر على مصالح الأمة، وكانوا مع ذلك مشتغلين بحِفْظ الحديث وضبطه أو قِراءة القرآن الكريم وحفظه في صدورهم.

[أثر المهاجرين في الحياة الاقتصادية في العهد النبوي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله السالم بحث منشور على شبكة الألوكة الثقافية]