لماذا سيدنا موسى –عليه السلام- هو الذي نصح بتخفيف الصلاة؟


بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري

دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف

إن أول ما نفكر فيه عند قراءتنا للمراجعة التي حدثت بين نبينا ونبي الله موسى –عليهما الصلاة والسلام-: لماذا أوقف سيدنا موسى –عليه السلام- نبينا محمدا –صلى الله عليه وسلم- ولم يوقفه سيدنا إبراهيم -عليه السلام-؟

الإجابة عن ذلك تكمن في خبرة سيدنا موسى –عليه السلام- بالشريعة وتعامل الناس معهاـ لأنه صاحب شريعة وكتاب.
جاء في البخاري: “ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم . فرجعت فمررت على موسى ، فقال : بما أمرت؟ قال : أمرت بخمسين صلاة كل يوم ، قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم ، وإني والله قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ” (صحيح البخاري، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج، حديث رقم: 3887).

السبب الذى تكلم من أجله سيدنا موسى –عليه السلام- هو: العلم والخبرة.

قد يقول قائل: وهل سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لم يكن خبيرا بطبائع الناس وعالما بالدين؟

أقول لك أخي الفاضل: المقصود هنا الخبرة في تعامل الناس مع التكاليف والشريعة، لأن إبراهيم –عليه السلام- لم يكن صاحب كتاب كامل كالتوراة والقرآن.
أما موسى –عليه السلام- فكان مثل النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- حيث كان صاحب كتاب وشريعة، وكتابه يشتمل على الصلاة والزكاة والحدود إلى غير ذلك.
إننا نرى الآن الكثير يتحدث فيما لا علم له به، خاصة في مجال الدين وهذا مذموم بكل حال، ولكن يوجد من هو أشد ذما منه وهو الداعية الذى يتكلم في مسألة بغير دليل.
ليس معنى أنني شيخ أؤم الناس وأعطى الدروس أنني أتكلم في كل مجال وفي كل قضية، لأن ذلك يعرضني لسخط ربى ثم ضياع هيبتي بين الناس.

انظر إلى إبراهيم -عليه السلام- وهو أب للأنبياء وجَدٌّ لهم أيضا، فكل الأنبياء الذين أتوا بعده من ذريته، وهو الخليل وهو أمّة وهو….

ومع ذلك لأنه لم يتعامل مع قومه بالشريعة سكت ولم يتكلم ولم يعترض على شيء.

وموسى –حفيد من أحفاد إبراهيم- عامل قومه بالشريعة وهو مثل النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- تماما كما بينا، لذلك تكلم وبيّن.
هذه رسالة من الله –تعالى- إلى خلقه منقولة عبر معجزة المعراج المباركة ألا يتكلم أحد إلا بعلم، وألا يتكلم إلا أهل الاختصاص والخبرة.

وإذا كانت هذه رسالة منقولة إلى كل الخلق بصفة عامة فهي منقولة إلى الدعاة بصفة خاصة ألا يتكلموا في موضوع إلا إذا درسوه ودرسوا أدلته وفقهوها وفقهوا الواقع الذى يطبق فيه الدليل والنص.

وقد أصل الله –تعالى- لهذه القاعدة العظيمة في القرآن الكريم ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ سورة الفرقان (59).

و﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل (43) ، الأنبياء (7).

لقد كان أئمتنا الكبار يسكتون عن الإجابة إذا كان لا علم لهم بالمسألة، ولا يرون في ذلك نقصا، بل إنه قمة الكمال العلمي، أخرج الإمام مسلم: “.. حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، صَاحِبُ بُهَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ، عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ، فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، وَلَا فَرَجٌ – أَوْ عِلْمٌ، وَلَا مَخْرَجٌ – فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟، قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدًى. ابْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرُ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ” أخرجه الإمام مسلم في مقدمته ج1 ص12.

أخي الداعية: لا يوجد نقص في قولك: (الله أعلم) فقد قالها نبيك وقالتها ملائكة ربك.

هذا أول درس من الدروس التي نتعلمها من مراجعة موسى لمحمد –عليهما أفضل الصلاة والسلام- بشأن الصلاة.