وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر

إن المؤمن الحق، الذي رَسَخ إيمانه في قلبه أيام الفتن والمحن، يزداد إيمانًا حين تزول الظلمات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾،
ويزداد يقينًا حين تواجهه الأحزاب، فيقول الله عنه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

أما غير المؤمن، فالمحن تكسره، والفتن تذلِّه، والخوف يسيطر عليه، فيحسب كل صيحة عليه، ويذبح نفسه بسيف توقعاته وأوهامه، فلا استقرار له، ولا أمان.

المؤمن الحق صلب، راسخ اليقين، يواجه الأحداث بجَلَدٍ، يسمع قول الله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾،
ويستحضر وعد الله: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.

المؤمن يعلم أن كل شيء بقدر، وكل مصيبة مقسومة، وأن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعه أو تضره، فلن يكون إلا بما كتب الله له، كما أخبرنا رسول الله ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ…».

ومن ثقل هذا اليقين، يواجه المؤمن الابتلاء بالصبر والرضا، مُحتسبًا الأجر، متذكرًا قول الله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾،
ويستلهم من أخلاق رسول الله ﷺ الرحمة والشفقة، مهما اجتمعت قوى الظلم عليه، فكان صلى الله عليه وسلم يزداد رحمةً كلما ازداد الأعداء إيذاءً.

اللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين، وارزقنا رضاك ورضا رسولك ﷺ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين.