فتح دمشق… البوابة التاريخية لتحرير الأقصى
19 يناير، 2026
التراث الاسلامى

بقلم إعلامي : مجدى الناظر
استطاع السلطان صلاح الدين الأيوبي تحرير بيت المقدس ومسجده الأقصى من احتلال الصليبين، ذلك الاحتلال الذي مكث جاثماً على صدر بيت المقدس 88 عاماً.
ذلك فى 27 رجب 583 هـ، الموافق 2 أكتوبر 1187م2 أكتوبر 1187م، بعد حصار دام حوالي 12 يومًا، وذلك تتويجًا لانتصاره الكبير في معركة حطين التي مهدت الطريق لاستعادة المدينة من أيدي الصليبيين.
.
وضع صلاح الدين، ذلك القائد الكردي العظيم قضية بيت المقدس وتحرير المسجد الأقصى على رأس أولوياته، وصمم ألا يلقى ربه إلا بعد أن يحرره ويرده عزيزاً للمسلمين. لذلك، لم يدخر هذا القائد وسيلة لجمع شمل الأمة إلا وسلكها، ولم يعرف طريقة لزرع حب بيت المقدس في نفوس المسلمين إلا وطبقها. لذلك، وعندما شعر صلاح الدين أن نقطة الصفر للتحرير قد أزفت، وجه نداءه إلى جموع المسلمين كي يلتقوا في دمشق، حتى تبدأ من دمشق الخطوة الأولى نحو التحرير الفعلي لبيت المقدس
وصلت رسالة صلاح الدين وفهمتها جموع المسلمين من عرب ومن كرد ومن أتراك وغيرهم، من بلاد المغرب ومن بلاد المشرق. كلهم تجمعوا في دمشق وانطلقوا منها تحت راية واحدة وهدف واحد حتى تحقق النصر وتحرير المسجد الأقصى وعودته تحت راية الإسلام
لم يكن فتح دمشق حدثًا عابرًا في سجل الفتوحات الإسلامية، ولا مجرد انتصار عسكري يُضاف إلى أرشيف التاريخ، بل كان تحولًا استراتيجيًا عميقًا غيّر موازين القوة في المشرق كله، وفتح الطريق – جغرافيًا وعقائديًا وسياسيًا – نحو الهدف الأكبر: تحرير القدس والأقصى. فمن يقرأ التاريخ بعين واعية يدرك أن دمشق لم تكن مدينة عادية، بل قلب الشام النابض، ومن يملك القلب يملك الجسد كله.
كانت دمشق عاصمة الروم في المشرق، وحصنهم الأعظم، ومركز القيادة والإمداد. سقوطها لم يكن سقوط مدينة، بل انهيار منظومة كاملة من السيطرة والنفوذ. حين فُتحت دمشق، انكسرت هيبة الإمبراطورية الرومية في الشام، وتزلزلت قلاعها، وتهاوت خطوط دفاعها الواحدة تلو الأخرى. ومن هنا بدأ الطريق يُعبد نحو فلسطين، لأن الجيوش لا تتحرك في الفراغ، بل تحتاج إلى عمق آمن وقاعدة راسخة، ودمشق كانت تلك القاعدة
لم يكن التوجه إلى القدس قرارًا لحظيًا أو اندفاعًا عاطفيًا، بل ثمرة ترتيب محكم وفهم عميق للجغرافيا والسياسة. ففتح دمشق أمّن ظهر الجيوش الإسلامية، وثبّت الحكم في الشام، وقطع طرق الإمداد عن الروم في فلسطين. عندها فقط أصبح التقدم نحو القدس خطوة محسوبة، لا مغامرة. ولهذا جاء فتح القدس لاحقًا هادئًا، منظمًا، ومهيبًا، دون مذابح أو فوضى، لأن النصر كان قد نُضج في دمشق
لم تكن العلاقة بين دمشق والقدس علاقة مسافة، بل علاقة مصير. فالشام تاريخيًا كانت الدرع الذي يحمي القدس، وإذا انكسر الدرع سقطت الجوهرة. لذلك لم يكن غريبًا أن تتكرر هذه القاعدة عبر العصور: كلما قويت الشام اقترب التحرير، وكلما ضعفت ابتعد النصر. إنها سنة تاريخية لا تحابي أحدًا ولا تجامل أمة.
إن فتح دمشق لم يكن مجرد صفحة مضت، بل رسالة باقية: لا تحرير للأقصى دون ترتيب الأولويات، ولا نصر دون بناء القوة من الجذور. فالعواطف وحدها لا تحرر أرضًا، والشعارات لا تُسقط احتلالًا. إنما التحرير يبدأ بفهم الواقع، وبناء القوة، وتحصين العمق، كما فعل الأوائل حين جعلوا دمشق بوابة العبور إلى القدس.
الدروس المستفادة من فتح بيت المقدس :
1 _ وحدة الصف أساس النصر
أدرك صلاح الدين أن تحرير القدس لا يكون بالسيوف وحدها، بل بتوحيد الأمة بعد سنوات من التشرذم والصراعات الداخلية. فوحّد مصر والشام، وأطفأ نيران الخلاف، فكان النصر ثمرة للوحدة لا للعدد.
2 _ القدس قضية أمة لا جغرافيا
علّمنا الفتح أن القدس ليست أرضًا فقط، بل عقيدة وهوية ورسالة، وأن التفريط فيها يبدأ عندما تُنسى قيمتها في القلوب
3 _ الإعداد الطويل قبل المعركة
لم يكن الفتح عملاً مفاجئًا، بل نتيجة سنوات من الإعداد العسكري والسياسي والاقتصادي. علّمنا صلاح الدين أن النصر لا يولد في ساحة القتال، بل يُصنع قبلها بوقت طويل.
4 _ الفرق بين الفاتح والمحتل
قارن التاريخ بين دخول الصليبيين للقدس (1099م) الملطخ بالمجازر، ودخول صلاح الدين الذي كان فتحًا إنسانيًا.
وهنا درس عظيم:
الإسلام يفتح ليعمر، لا ليبيد.
5 _ الأخلاق في أوقات القوة
عندما دخل صلاح الدين القدس سنة 583هـ، قدّم درسًا خالدًا في الرحمة والتسامح:
أمّن المدنيين
احترم المقدسات ورفض الانتقام فأثبت أن القوة لا تعني القسوة، وأن القائد الحقيقي هو من ينتصر بأخلاقه قبل سيفه.
6 _ العدل أساس الحكم والاستقرار
أقام صلاح الدين العدل بين الناس، مسلمين وغير مسلمين، فاستقرت البلاد بعد الفتح.
والدرس هنا واضح:
لا يدوم نصر بلا عدل.
7 _ النصر لا يلغي الحكمة السياسية
رغم انتصاره، تعامل صلاح الدين بحكمة مع القوى المحيطة، وعقد صلح الرملة لاحقًا، مؤكدًا أن الحروب وسيلة لا غاية.
الخلاصة :
إن فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل مدرسة في القيادة، والأخلاق، والوحدة، والإيمان.
وما أحوج أمتنا اليوم إلى استلهام تلك الدروس، لا لقراءة التاريخ، بل لصناعة مستقبل يشبه أمجاده.